أحسن الفنان عزالدين نجيب عندما بوّب الدراسات والمقالات التى كتبها قبل وبعد يناير2011فى كتابه (الثقافة والثورة) الصادرعن هيئة الكتاب المصرية عام 2013. والسبب فى رأيى أنها تدل على انحيازه للجماهيرالشعبية، فى ضفيرة واحدة مع نقده لمؤسسات الدولة الثقافية، وبالتالى عندما أقرأ ما كتبه بعد ذاك التاريخ أشعربالاتساق والمصداقية، عكس كثيرين عندما أجْمَعْ كتاباتهم (قبل وبعد زلزال يناير) أجد تناقضًا فاضحًا ينز بالانتهازية بين تملق السلطة (أيام مبارك) ثم تملق الشباب الذين ثاروا عليه.
محاورالكتاب يلضمها خيط واحد هوالدفاع عن التعريف العلمى للثقافة، التى هى بنت الواقع فى بيئة اجتماعية مُحدّدة وأنتجها أبناء تلك البيئة. لذا كان همه هوالدفاع عن (المشروع الوطنى للثقافة المصرية) ويعتمد على جناحيْن: الأول خصوصية الثقافة القومية المصرية. الثانى رفض تقليد الثقافة الغربية، خاصة التى تتنافى وتتناقض مع مجموع أنساق قيمنا المصرية. ولأنه يستهدف الارتقاء بالمستوى الثقافى خصّص فصلا شرح فيه أنّ المشهد الثقافى المصرى إتسع أفقيًا ولكنه انكمش رأسيًا ((وأنّ الحفرفى الآبارلايتعدى مستوى أشباربحثا عن رؤى إبداعية)) لذا ركزفى فصل آخرعلى أنّ الثقافة ((هى صناعة الوجدان القومى التى تقوم بتأكيد قيم عليا يرتضيها الضميرالوطنى)) وبعد شيوع مصطلح (النظام الكونى الجديد) فإنّ الخطورة تتمثل فى ((تذويب الهوية الخصوصية لأية أمة)) فإذا كانت الثقافة (الوطنية) تعبيرعن الوجدان الشعبى، يأتى الخوف من ((النخبة المثقفة التى قد تنساق (بمبرر) الحداثة وراء محاكاة قيم وأساليب الغرب دون مواءمتها مع ثقافتنا)) وفى فصل ثالث شرح كيف أنّ شعبنا جعل من الفن أداة لتأكيد ذواتنا القومية، وهوما انعكس على الغزاة مثل السلطان سليم الذى ارتكب جريمة ترحيل الحرفيين المصريين (50حرفة) إلى استانبول كأسرى حرب. وكان هدفه أنْ ((يضرب عصفوريْن بحجرواحد، فمن ناحية كان يستنبتْ هذه الفنون فى بلده، ومن ناحية أخرى كان يُقصى عن مصرفنانيها الذين يُعبّئون الشعب ضد المحتل)) ورغم الأثرالسلبى لتلك الجريمة، لم يتم القضاء على الخصوصية الثقافية لشعبنا ((لأنّ أعمال الفنانين الشعبيين استمرتْ بأنماطها التشخيصية وهى تصورالملاحم البطولية)) وبهذا ((أفلتتْ الثقافة الشعبية من هيمنة الثقافة الرسمية)) ولأنّ المؤلف إهتم بظاهرة التواصل الحضارى لشعبنا (وليس الانقطاع الحضارى كما حدث لشعوب عديدة) لذا تناول فى أكثرمن فصل دورالفن فى مصرالقديمة. ولم تكن مصادفة أنْ ينفض محمود مختارتراب الزمن ليقول (أنا حفيد الفنان المصرى القديم) وحتى أبناء الحرف التقليدية (وأغلبهم من الأميين) أبدعوا ((بعض آيات الجمال من خامات البيئة وفق التقاليد المتوارثة منذ آلاف السنين))
عندما دعته هيئة قصورالثقافة للمشاركة فى مؤتمرحول (حاضرومستقبل الحرف التقليدية) كتب بحثا عرض فيه الداء والدواء. أما الداء فهوعدم اهتمام وزارة الثقافة بالحرف المصرية التراثية. وبعد أنْ قدّم بحثه فوجىء باتصاليْن أحدهما من أمين عام المؤتمر، والثانى من مديرمديرية الثقافة بالإقليم يطلبان منه حذف فقرات النقد الموجهة للوزارة من البحث أوكتابة بحث آخر، وعندما رفض تم استبعاد البحث وصاحبه. مثال آخرعندما دعاه المجلس الأعلى للثقافة لإعداد ورقة عمل حول (الفنون التشكيلية والنهضة) وبعد أنْ أعدّ بحثه وسلمه للمسئول ذهب إلى الموعد المُحدّد فإذا بالقاعة خالية من المناقشين ومن الجمهور(شىء أشبه بمسرح العبث)
وفى الكتاب دراسة كتبها قبل يناير2011ركزفيها على التظاهرات الرسمية ذات الطابع الشكلى البحت. وتكرارإذاعة الأغانى المُمجّدة لضابط يوليو52ثم ينفض المولد. ورأى أنّ ذاك المثال يستدعى الجدل والحوارأوالعمل الجماعى وبمراعاة أنّ المصريين نجحوا فى مشروعهم الخاص فى الغربة ((وهم يُواجهون أقسى التحديات وأصبحوا روادًا فى التفوق والعصامية)) أما سبب الاخفاق الجماعى ((أننا لم نعد يجمعنا مشروع واحد أو حلم لنهضة الوطن. والجماعة الإنسانية لاتصنع مشروعها أوحلمها بقرارمن مسئول، بل تصنعه لحظات مصيرية عظيمة كالزلزال، تضع الأمة أمام خيار وحيد: أنْ تكون أولاتكون)) وضرب مثالابما فعله شعبنا فى ثورة برمهات/ مارس1919. وذكرأنّ الديمقراطيات العظيمة هى التى صنعتْ الدول العظيمة حيث حق الاختلاف. وأنّ الحقيقة ليست فرضًا وحيدًا أوحكرًا أبديًا ((وكذلك السلطة وكرسى الحكم. فلا يضيرالحزب الحاكم أنْ يجلس قادته فى مقاعد المعارضة)) (مبدأ تداول السلطة)
وفى البحث الذى قدّمه لمؤتمرالفنون التشكيلية بهيئة قصورالثقافة فى فبراير2008 أفاض فى الحديث عن (التغريب فى الفن التشكيلى) وهوهنا كانت لديه الشجاعة الأدبية لينتقد مُروّجى (التغريب) وعلى رأسهم وزيرالثقافة فاروق حسنى. وأنّ ذاك التغريب الذى تبنـّته أجهزة الدولة الرسمية أدى إلى ((التخلى عن الكثيرمن أطر(الفن) وأنواعه وأجناسه التاريخية، لتحل محلها الأشكال التكنولوجية، غرائبية المضامين)) وانتقد (فى فبراير2010) وزارة الثقافة التى تـُنفق ملايين الجنيهات على صالونات الشباب والبيناليات الدولية وورش العمل المقامة للتجريب كل عام. وباسم (التجريب) يتم (تسفيه كل شىء: من القيم الجمالية حتى القيم المعنوية والأخلاقية) وإذا كانت الدولة (ممثلة فى وزارة الثقافة) تـُشجّع المُعادين للقيم الجمالية والأخلاقية، فإنّ هؤلاء الشباب ((سيُشكلون على شاكلتهم أجيالا أخرى قادمة. بما يعنى أنّ الدولة تـُضيّع المستقبل كما ضيعتْ الحاضر. وأنّ ذلك يتحقق الآن بالفعل)) وضرب أمثلة من تلك الأعمال التى فازبها البعض (الجائزة الكبرى مائة ألف جنيه) رغم مستواها الفنى الردىء وتوجهها اللا أخلاقى. وذكرأنّ تلك الأعمال التغريبية (غيرالفنية وغيرالأخلاقية) تابعة لقناعات وزيرالثقافة، وأضاف ((أدرك أننى بما أكتبه أمثل الصوت النشاز وسط جوقة المزامير. لكننى أدرك كذلك أنّ ما أقوله هوصوت الصامتين غيرالمُتكيفين، وهم الأكثرعددًا وأنّ صمتهم- رغم سلبيته- لايخلومن حكمة مصرية تقول إنّ دوام الحال من المُحال))
وفى 2010انتقد المنظومة السياسية لنظام مبارك لأنّ الدولة ممثلة فى وزارت التعليم والثقافة والإعلام والشباب وفى المؤسسات الجامعية والبحثية وغيرها استقالتْ من مسئوليتها عن بناء المواطن فكريًا وثقافيًا وذوقيًا)) وفى مقابل ذاك الانسحاب كان الفراغ الثقافى الذى سدّ مكانه ((الهوس الكروى والشطط الدينى والتفكيرالخرافى)) لذا فإنّ ((تخلى الدولة عن هذه المسئولية يُعد إهدارًا للثقافة الشعبية)) لأنّ المقابل ((تهديد لمستقبل مصر)) وألقى اللوم الأكبرعلى وزارة الثقافة التى فشلتْ عبْرأكثرمن 20سنة ((فى إنتاج منشط ثقافى مؤهل للعمل مع الجمهورعبْرقصورالثقافة وقطاعات الوزارة المختلفة)) وبالتالى ((لاحاجة للحديث عن رسالة ثقافية ليس لها وجود)) أما عن دورالمثقفين فإنّ أغلبهم ((دخلوا حظيرة المؤسسة)) وأكلوا عسلها عبْرالمناصب واللجان والجوائزوالسفريات والمهرجانات. فكانوا فى الواقع ((مثل الدولة يستقيلون من دورهم التاريخى)) ويواصل نقده لأجهزة وزارة الثقافة فتحدّث عن قصورالثقافة التى هى فى أغلبها (أبنية عاجزة عن استقطاب الجماهيروالتفاعل معهم) فتكون النتيجة ((أنشطة مظهرية جوفاء يغلب عليها الطابع المهرجانى أوالشعبوى))
وإذا كان الفنان عزالدين نجيب انتقد المحسوبين على الثقافة المصرية فى كتاباته قبل يناير 2011، لذا يكون نقده لهم متسقا مع موقفه المبدئى وهوينقدهم بعد ذاك التاريخ وهوما فعله فى دراسته عن الثقافة والسلطة من عبدالناصرإلى مبارك. وعن المتحولين من تأييد مبارك إلى التظاهربتأييد الثورة عليه كتب أنهم اكتسبوا القدرة على ازدواجية الخطاب بين إرضاء السلطة وإرضاء الرأى العام. وكما استفادوا أيام مبارك الذى مدحوا حكمه، استفادوا بالثورة التى أدانته، فمنهم من تولى رئاسة مكتبة كبرى تم تغييراسمها لتواكب المرحلة الجديدة. وكتب عن الناقد (ج. ع) الذى قبل منصب وزيرالثقافة فى حكومة أحمد شفيق وبمراعاة أنه ظلّ فى حظيرة فاروق حسنى لعدة سنوات فكان مصيره أنْ ((خسرالماضى والمستقبل)) أما عن الفنانين الذين يعملون فى صمت مع مرارة البؤس والنسيان بعد الموت، فكتب عن الفنان الذى حجزالمستشفى جثمانه حتى يُسدد أهله نفقات علاجه. وعن الفنان الذى تعرّض للضرب والصدمات الكهربية بمستشفى الأمراض النفسية إلخ كما كتب عن غيرهم فى كتابه المهم (فنانون وشهداء)
وكما اهتم بالفنانين التشكيليين اهتم بالحرفيين ولذا كوّن لهم جمعية أصالة للحرف التراثية. وبعد أنْ تم وضع حجرالأساس لمدينة الحرف بالفسطاط تأتى كارثة تسليم المشرع للأميرتشارلز مقابل عدة ملايين من الدولارات (لا أحد يعرف دخلوا جيوب مَنْ مِن المسئولين المصريين) وتكون المأساة/ الكارثة أنّ الأميرالإنجليزى اشترط فى العقد أنْ يتولى (هو) ومن معه من الأجانب تدريب الحرفيين المصريين ((أحفاد شيوخ الحرف بالقاهرة التاريخية)) وفى النهاية ((لاطالتْ أيدى الحرفيين المصريين مال الأمير. ولاطالت الوزارة خبرات ذات قيمة. وما حدث هوإجهاض مشروع مدينة الحرف)) وهوالمشروع الذى تبنته جمعية أصاله وسرقته الوزارة وسلمته للأميرالإنجليزى وهوما كتب عنه كثيرًا المؤلف قبل وبعد يناير2011. إنّ شرط الأميرتشارلزأنْ يأتى أجانب لتدريب الحرفيين المصريين على (تراثهم) أشبه (تمامًا) بالاعتماد على راعى غنم لتعليم الزرّاع الزراعة، وهكذا كانت تدارمصرأيام مبارك. ولوعيه بتراث مصر الحضارى وخبرة جدودنا المصريين القدماء سواء فى الحرف أوفى المعماركتب ((أرى أنّ مصرالقديمة هبة الفنان الذى صاغ محتوى الرسالة الحضارية بحسه العبقرى وأهداها للخلود. وأتساءل: ماذا كان يمكن أنْ يصبح عليه شأن الفن فى مصرالآن لولم تتكالب عليها موجات الغزاة الأدنى تحضرًا منها؟)) وربط بين ((ولاء التلميذ للأستاذ الأجنبى وصحوة الهوية المصرية تعبيرًا عن عبق المكان وحس التاريخ)) وعن الذين يدّعون أنّ عبودية الحاكم مستمدة من مصرالقديمة، كتب أنّ هؤلاء تغافوا ((النصوص المُسجّلة بالهيروغلفية وقامت على تقديس قيم العدل والحرية والمسئولية عن فعل الإنسان ومحاسبة الحاكم وتنظيم العلاقة بينه وبين المحكومين. وكذا النصوص التى سجّلتْ الثورات الشعبية)) وكتب أيضًا ((إنّ النظرة السطحية للتاريخ المصرى القديم لم تـُدرك الفرق بين العقيدة الدينية التى أعطتْ القداسة للملك باعتباره رمزًا للآلهة على الأرض وبين الطبيعة النهرية المتحضرة فى شخصية المصرى والمرتبطة بالعمل والخير وبناء الحضارة وجميعها لاتتحقق بغيرالحرية))
وفى الجزء الأخيرمن الكتاب بعض النماذج من الحوارات التى تمتْ مع المؤلف مثل الحوار الذى أجراه معه أ. ماهرحسن وفيه تلخيص لمسيرة الفنان عزالدين نجيب النضالية. والمعارك التى خاضها مع مؤسسات الدولة لدرجة تحطيم مرسمه وإعتقاله أكثرمن مرة. وفى رده على سؤال حول إمكانية وصول جمال مبارك للحكم قال ((ربما أختلف مع من يقولون أنّ وصول جمال مبارك إلى السلطة هوأمرحتمى، إلاّ إذا كان النظام يتمتع بقدرهائل من الغباء، لأنه يرى حجم الرفض على مستويات الشعب والنخبة معًا، فلم يعد سوى المستفيدين القريبين، هم من يؤيدون وصوله للحكم، وهذا هوالتطورالطبيعى: إننا كل يوم نزداد تبعية، سواء للمؤسسات (العالمية) أوللهيمنة الأمريكية)) ذاك ما قاله عام 2008وهوما يدل على صلابة موقفه. وأنه لم يُغيّر رؤاه المنحازة للجماهيرضد السلطة الباطشة، ولذا تعاملتْ معه تلك السلطة على أنه من (الأعداء) فكان مصيره إما الإعتقال أوالتجاهل التام لتاريخه الثقافى والنضالى (من مواليد 30/4/1940) فلم يحصل على أية جائزة من جوائزالدولة، بينما نالها كثيرون أقل منه موهبة وعطاءً للثقافة وللوطن، ولكنهم امتلكوا (موهبة) التزلف والتمسح فى الحاكم والسيرفى ذيله. ورضوا لأنفسهم الدخول فى (حظيرة) وزارة الثقافة كما صرّح بذلك وزيرها (فاروق حسنى) أكثرمن مرة.