أثناء دراستى الجامعية ومع الخطوات الأولى لسنوات الثمانينيات كنت دائماً ماأبدأ يومى بالقفز على درج منزلى مطيحاً به خلف ظهرى ، ثم أطوى الطريق طياً نحو بائع الصحف لأتابع آخر الإصدرارات الثقافية ، سيما ماكتب عن الفن التشكيلى ، وتتملكنى الغبطة عندما أعثر على مقالة أو دراسة للفنان والناقد الكبير عز الدين نجيب ؛ فأختطفها لأستمتع بها وأستل من بين سطورها وقوداً فكرياً وروحياً ، وهى العادة التى أداوم عليها حتى الآن .. ولاشك أن عز هو أحد أبرز علامات الحركة التشكيلية والنقدية المصرية والعربية المعاصرة بارتكازه على خلفية معرفية وإبداعية ولغوية هائلة تجعله واحداً من نوابغ عصره فنياً ونقدياً ، إضافة إلى كونه أديباً رقيقاً يملك كل أدوات سحر البيان .. على أن هناك بعداً ثالثاً فى شخصيته يتجلى فى وعيه الإجتماعى بقضايا بنى وطنه بطموحاتهم وطحنتهم ، بعذوبتهم وعذاباتهم ، وهو مارفع عز من وجهة نظرى إلى مراتب المفكرين المناضلين ، وذلك عبر تجربة طويلة وعميقة فى الإسكندرية وبورسعيد وكفر الشيخ والدقهلية وأخيراً القاهرة ، ذاق خلالها مرارة الإعتقال داخل غياهب السجون مع صفوة من مثقفى الوطن الذى قايضهم على ولعهم به بالجحود والنكران .. وهذا التعلق بالأرض والبشر ضد قوى السحق والسحل هو ماأتحفنا بتلك اللآلىء من محار عز الدين نجيب ومنها كتبه النقدية ” فجر التصوير المصرى الحديث ” ، ” التوجه الإجتماعى للفنان المصرى المعاصر ” ، ” أنشودة الحجر ” ، ” الصامتون ” ، مواسم السجن والأزهار ” ، واللؤلؤتان الأخيرتان هما ثمرة عشقه وثورته ، علاوة على عدة مجموعات قصصية مثل ” عيش وملح ” ، ” المثلث الفيروزى ” ، ” أيام العز ” ، وكلها عناوين تشى بسكنه بين جلد ولحم طوائف الشعب ، لذا فليس غريباً عليه أن يكون قائداً لكتيبة رعاة تراثنا الشعبى الحرفى بجمعية أصالة .. نعم نختلف أحياناً مع عز ، ولكنه علمنا كيف ومتى نختلف بصلابة وشرف ، وكثيراً مايضرب لنا المثل فى كيفية تحول المبدع إلى وتد عفى أثناء مآزق الأمة ليتشبث به الجميع فى لحظات السقوط والإنهيار .. من أجل هذا أرى أنه حان الوقت الذى نكرم فيه هذا الفنان والناقد والمفكر الكبير بترشيحه لنيل إحدى جوائز الدولة ، وليكن هذا من نقابة الفنانين التشكيليين أو من الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلى ، فتكريم عز الدين نجيب هو تتويج لرحلة عطاء سخى يندر أن تتكرر ، وهو بساط الأمان للأجيال القادمة ، والنموذج المثالى الذى نجسده لها كى تقتاد به ؛ فتضع مصر نصب أعينها أولاً ، حتى لو ضحت فى سبيل ذلك بالغالى والنفيس .
محمد كمال
العمود الأسبوعى ” وجهات نظر فنية ” _ جريدة القاهرة _ الثلاثاء 18 نوفمبر 2003م