مشاهد الرؤى المضيئة

د/ امل نصر يوليو 2017

نحتاج الآن للتجوال في مشاهد عز الدين نجيب : نحتاج طرقات الونس والدف ، ظلال الألفة، أغنيات الحوائط، جلسات السمر ، رائحة الأرض والبيوت.. حكايات الأبواب. نحتاجها لكي تهدأ فيها -ولو لبعض الوقت- نفوسنا وعيوننا التي أرهقتها شطحات التغريب، فهي مشاهد مضيئة نقية تخلصت من قسوة الحياة وخلت من هذا الزخم المسعور الذي بتنا نعيش فيه حتى فقدنا جانباً كبيراً من إنسانيتنا وتواصلنا مع الطبيعة ومع بعضنا بعضا. إنها مشاهد ناتجة عن امتزاج ما بين الحلم والذاكرة دون اللجوء للوصف التقريري الذي يبعد المشاهد عن حالة الإشعاع الروحي المنبعثة من العمل الفني. والفنان لم يتقلب حائراً في مغامرات تشكيلية متباعدة الغايات، لكن كانت له رؤية واحدة واضحة تعددت داخلها دروب البحث .

ونخص بالذكر هنا ما قدمه في معرضه الاستعادي الذي أقامه في قصر التذوق بالإسكندرية عام 2009 ، حيث نجد نماذج لتلك الدروب، نستطيع من خلالها أن نطرق ثلاث مداخل في تناول عز للمشهد المصور الذي تميز بالتلخيص، ونستطيع أن نقول أنها مشاهد من الطبيعة برؤية نقية خلصتها من الكثير من التفاصيل غير اللازمة لتضعها في تلك المداخل الثلاث :


*عز الدين نجيب : ولد بمحافظة الشرقية عام 1940 ، تخرج من قسم التصوير ،كلية الفنون الجميلة ، جامعة حلوان عام 1962 ، مصور وناقد تشكيلي ، وله دور هام فى العمل الثقافي المصري ، حصل على العديد من الجوائز في مجالي التصوير والنقد التشكيلي ، له العديد من المؤلفات في مجالات النقد الفني والأداب والثقافة .

الأول : يتعلق بالاستجابة البصرية للفراغ التي يحققها الفنان في أعماله؛ فهي استجابة تؤدي إلى تولد الشعور بالتزامـن مع الحدث المصور ، من هنا يحاول كل من الفنان و المتلقي التوصل إلى تحديد منظم ودقيق للفراغ بأبعاده الثلاثة كما يطبق في نظام المنظور البصري، فالأشكال توضع في سياق مكاني مترابط ، والمكان يصور مبنيا على منظور متجانس موجه نحو نقطة بصرية واحدة، والموضوعات والمسافات المكانية الواقعة بينها تصور بطريقة اتصالية. نظرا للاهتمام بدور المشاهد وإدخال وجهة نظره في العمل الفني الذي يعتبر امتدادا لعالمه، وتوضع الأشياء من خلال نقطة نظر ثابتة ومحددة بالعلاقة مع مشاهد مثالي ولحظة فريدة لفعل موحد .

هنا تصبح نقطة التلاشي أداة جيدة لتوحيد المشهد ككل بالعلاقة مع عين المشاهد . إلا أن عز قد قام بتحريك تلك النقطة حيث لم يجعلها في منتصف العمل، ولكنه فضل أن يقف إلى جانب المنظر أو أعلاه قليلاً ليتمكن من خلق تأثير غير عادي في عمـله مبتعداً عن التماثل بين جانبي العمل (شكل 13) . وحتى لا يصنع قمعا في الصورة يؤثر على وحدة التصميم .

فخطوط المنظور التقليدي التي تنتهي إلى نقطة تلاش في المنتصف، تشد العين إلى داخل الصورة، وتقودها إلى فتحة محدودة فئ التصميم مما يشكل صعوبة في توجيه العين خلال الصورة لأن المنظور يشدها بقوة نحو اتجاه واحد. ولنفس الأسباب لم يرسم عز الطرق منتهية في العمق حتى لا تبدو مثل المثلثات، بل جعلها تنتهي في الغالب وراء المباني أو أغلقها بمبنى آخر (شكل 14) ، وهو يرسم ظلالاً أفقية عبر الطريق وبذلك لا يجذب العين خلال موقع محدود في الفراغ بل تجاه مجموع العمل ككل .

المدخل الثاني : يتضح في مجموعة المشاهد الأفقية التي قدمها الفنان في الثمانينات حيث يقسم اللوحة لثلاثة مستويات أفقية يقوم في المستوى الأول بتجميع البيوت ويكثفها في أشكال نحتية متصلة، وفى المستوى الثاني يحول الجبال والتلال والكثبان الرملية إلى نحت بارز” ريلييف”، وفى المستوى الثالث وهو السماء نجدها تبتعد عن إحساسها الأثيري لتتخذ طابعاً نحتياً رهيف البروز من خلال مجموعة من الأقواس. وهذا ما يجعل للعمل وحدة تشكيلية من خلال نسيج واحد، يتفاوت قرباً وبعداً، وحضوراً وغياباً حسب تقدمه في المشهد، وهذا ما يستدعى “طريقة المستويات المتداخلة” في المنظر الطبيعي الصيني حيث استخدم الفنانون تلك الطريقة ليعبروا عن المسافات؛ فأشياء بعيدة مثلاً لا يسمح لها بأن تختفي، ولكـنها ترسم بقوة ، وفي بعض الأحيان مكبرة أو مرفوعة في الصورة، وذلك من خلال سلسلة من المسطحات المركبة ، التي تعطي تأثيراً غير مباشر بالعمق ، وقد تمكنوا عن طريقها مـن التنويـه بالمسـافات دون أن يقطعوا هيكل التكوين .

وبذلك يستعيض الفنان عز الدين نجيب بهذا المدخل لتصوير مشاهده عن رسم عناصره، بحيث تتضاءل وتتجه نحو العمق، بل يبسطها على سطح الصورة على شكل مسطحات أفقية تتراكب جزئياً فتعطي هذا الإيهام بالبعد ، من خلال معالجة تتماشى مع التسطيح ، وكان التأثير العام لهذه الطريقـة هـو تسـطيح عمـق الصورة وإظهارها بمظهر النسيج، وذلك بإدماج عمق الطبيعة في مسطح العمل الفني . وهنا استطاع الفنان عن طريق المستويات المتداخلة أن يخلق تجاوباً إيقاعياً بين العلاقات المكانية التي تمتد عبر مسطح الصورة ، فتنتقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة، ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والبعد .

المدخل الثالث : هو تحقيق البعد الدرامي في المشهد المصور ، وقد حققه الفنان بعدة وسائل فالإنسان في المشهد غائب حاضر من خلال الإيحاءات الظلية أو الشبحية أو الطيفية ، أو من خلال تمثله ككتلة فى نسيج المشهد متماهياً مع كتل البيوت المنحوتة بعاطفة إنسانية بادية ( شكل 15) . والطرقات والممرات خالية لكنها غير موحشة بل على العكس هي تدعوك إلى

ارتيادها، والبقاء في وضوح الشمس المضيئة والتكاشف الصريح مع الآخر بعيداً عن الظلال الغائمة التي أصبحنا لا نرى من خلالها بعضنا بعضا .(شكل 16 ) كذلك حقق عز البعد الدرامي تشكيلياً من خلال إدخال مسطح لوني صريح ، واصلاً به بين الأرض والسماء ليخرق المسافة كنظام في اللوحة، مغلبا اللون بتأثيراته النقية ، كما أنه يتخلص راضياً من استخدامه لإحداث التأثير ببروز المرئيات، وتأكيد السطوح والكتل. وبذلك يهيئ المصور اللون ليكون حاملاً للمعاني أو الرموز ، ومتحرراً من الارتباط بوصف العنصر الذي يصوره. وبذلك يحتفظ بقدرته على نقل الشحنة الوجدانية المباشرة التي يطرحها موقف ما إلى حس المشاهد .

كلمة أخيرة : في هذا الزمان الذي تتقلب فيه وتتحول كل الأشياء بطريقة لا يستطيع أن يلاحقها إيقاعنا الإنساني الطبيعي ، وتتهاوى فيه كثير من الثوابت والأصول ، يظل عز الدين نجيب من الفنانين أصحاب الرؤية الفكرية المستقرة الواضحة، لتصبح حياته وفنه متطابقين تماماً مع مبادئه وأفكاره ، لم يتلّون ولم يداهن ولم يجار السائد واحتفظ لنفسه في كل الأحوال بصفة الاحترام النادرة الآن.

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »