أسماء النواوى..والخروج من الشرنقة!

15 ابريل 2019

 

 

هل يمكننا أن نستمتع اليوم باعمال فنية حديثة باسلوب عصر النهضة الأوروبية ؟
نظريا يمكن..ولم لا؟..ان الفن الحقيقى عابر للأزمان والمدارس الفنية ، طالما تميز بصدق الفنان مع ذاته ومع الجوهر الانسانى لحب الحياة والجمال.
حسنا…وماذا عن خصوصية الفنان ، بمعنى الابتكار والإضافة والتعبير عن روح عصره وذائقته العامة المتأثرة بمتغيرات القيم الجمالية والفكرية فى كل مرحلة؟
هنا تحسم الأمر مقولة:ان سؤال الفن هو
(كيف) يعبر الفنان ، وليس (عن ماذا) يعبر ، أما ترجمة سؤال(كيف) فتكمن فى الأسلوب الخاص والمبتكر للفنان ، بما يحمله من موهبة
..هذا الأسلوب هو الكفيل بعبور العصور والمدارس المختلفة ، وهو القادر على النفاذ الى روح العصر وذائقته العامة.
كان هذا الحوار الداخلى يخامرنى وأنا أشاهد لوحات المعرض الجديد للفنانة الشابة أسماء النواوى بقاعة المسار بالزمالك هذا الأسبوع ، إذ كانت تحمل سمات من المدرسة الكلاسيكية الأوروبية فى عصر النهضة وخاصة أسلوب الفنان بوتتشيللى وعالمه الملىء بفتيات كحوريات ذوات قدود ميٌاسة وشعور منسابة وعيون ناعسةمع أحلام العذارى!
فهل كان عالمها مستلهما من ذلك الفنان؟وهل جاء أسلوبها محاكيا لأسلوبه ؟
من حيث العالم يمكن القول انه يدور فى نفس دائرته الرومانسية ، لكن بعيدا عن جو الغابات والحدائق الغنٌاء التى تتجلى فيها حسناواته ، بأزيائهن الحريرية الجرارة ، وقدودهن المتمايلة شبه الراقصة ، اما المضمون المعنوى الذى يجمعهما فهو خلق حالة من السلام والمصالحة بين الانسان والوجود ، كواحة آمنة للحب والبراءة الإنسانية ، وتلك حالة ينشدها الفنان ويخلقها
بخياله تعويضا عما تفتقده الإنسانية من هذه القيم وسط الحروب والدمار والشرور والبغضاء وكل ما يملأ الحياة بالقبح ويشعل فيها الصراعات..إنه لا يسعى بذلك الى صنع وهم كاذب لتزييف الحقيقة والوعى ، بل الى تشكيل حلم يهدهد النفوس المحبطة ويسرٌِى عن القلوب الجريحة ويمنح الانسان بعض الأمل و لحظات من الوئام مع ذاته ومع المحيط من حوله ، حتى ولو كان ما حوله قاسيا ومخيفا ، ليستطيع ان يواصل فيه حياته طالما كان عاجزا عن تغييره . ان هذه (الحالة المصنوعة) تعادل ألحان الموسيقى الناعمة وقصائد شعر الغزل ومناجيات الصوفية. وبالنسبة ل”أسماء”فإن شاغلها الأساسى هو رد الاعتبار للمراة المصرية بوضعها فى مكان البطولة المطلقة فى عالمها الفنى واستعادة هويتها من تحت النقاب والحجاب اللذين أُدخِلت فيهما ماديا ومعنويا ، ولم يكن لديها وسيلة لذلك غير الفن .
هذا هو الفارق الموضوعى بين عالم الفنان ابن القرن السادس عشر والفنانة ابنة القرن الحادى والعشرين…فماذا عن الفارق الأسلوبى بينهما ؟
الفارق يكمن فى بساطة أسلوبها ، الى درجة التقشف اللونى والاستغناء عن التجسيم الأسطوانى للعناصر وكذا عن المنظور الهندسى ثلاثى الأبعاد والاكتفاء ببعدين اثنين يضفيان على اللوحة نوعا من التسطيح ، لتكون خلفيات الأشخاص امتدادا بصريا لها بحس شرقى بحت ، تؤكده الزخارف النباتية أو الزهور المتناثرة أو التهشيرات الجرافيكية الرقيقة كالرقش على الجدران ، أضف الى ذلك حس الطفولة البادى فى عرائسها الورقية التى لا تفارق أيدى فتياتها كبارا وصغارا ، وكذالك فى مشاهد البنات الصغيرات وهن يمارسن اللعب فى خلفيات بعض اللوحات وكأنهن مرسومات بالطباشير فوق الجدران .أما فى مقدماتها فإن كل فتاة تضم عروستها الورقية البيضاء إلى صدرها أو تشكل عقدا بمجموعة منها لتعلقه فى عنقها أو لتلعب به فى مرح ، وقد يستعيض بعضهن عنها بزهرة ياسمين واحدة أو بعقد منها، وقد يكون مكان العروسة أو الزهرة فوق قلبها او حول معصمها…ان كل تلك العناصر البسيطة ليست إلا مفردات الحلم الرومانسى وحالة الطفولة البريئة التى لا ينفصل فيها الشكل عن المضمون ، وهى ما يفتح الطريق بينها وبين الذائقة العامة لمجتمعها وعصرها ، وليساعدها أيضا على التمرد عليهما لاسترداد طفولتها وهوية بنات جنسها.
ويلعب الخط الخارجى الرقيق دورا اساسيا فى تأطير اجسام الفتيات وهى تتهادى فى نعومة وتتمايل فى خفر أنثوى ، مثلما نراه فى خطوط المرأة الفرعونية على جدران المقابر ، وكما عرفته رسوم لابسات الكيمونو اليابانيات أو عازفات الموسيقى البغداديات ورسوم الواسطى لملامح الحياة الشعبية فى العراق ، وهى خطوط تستعيض الفنانة بها عن اسلوب التجسيم الأوروبى كجزء من البناء الكلاسيكى الفخم بتفاصيله الواقعية الكثيفة وألوانه الزيتية الزاهية.
إن حالة الرضا والمرح التى تخيم على فتيات “أسماء” لا تتجلى – فحسب – عبر ملامح وجوههن الجميلة ولو لم يبتسمن ، او عبر أوضاعهن المرتاحة فى استرخاء محتشم ، بل كذلك بإضفاء لون أزرق سماوى على كثير من اللوحات والملابس والخلفيات الموشٌاة بالورود او بوحدات زخرفية ، ويتآلف هذا اللون الأزرق مع ألوان اللوحات الأخرى حوله من الوردى والرمادى والبيج والطوبى ، مما يجعلها تبدو مجتمعة كصحبة من الزهور فى بستان صغير ، وإن تكن ورودها تتألف من وجوه بشرية نضرة وفساتين قصيرة حاسرة عن السيقان والأذرع دون إثارة ، فتذكرك بأزياء طالبات الجامعة بمصر فى ستينيات القرن الماضى.
قد يرى البعض أنه حتى مع هذهالاختلافات الأسلوبية بين “أسماء”وبين المدرسة الكلاسيكية يظل أسلوبها خارج سياق العصر وتطور الفن ، ولكن…هل يمكن لأحد أن يدعى بأننا نعيش اليوم فى عصر اى مدرسة فنية؟ ، او أن ينكرحقيقة أن جميع المدارس التاريخية قد غربت أو تناسخت بصور مختلفة أو تداخلت فى بعضها البعض ؟ ، وما مصير أغلب أعمال تلك المدارس بعيدا عن أماكنها فى المتاحف؟ ..إننا نعيش زمن السيولة والتماهى المذهبى والذوقى بين المدارس والتيارات الفنية ، وقد تحرر العالم من حاكمية القطب الاوروبى الأوحد للثقافات والفنون ، وأصبح مبدعو دول العالم – ومنها مصر – يبحثون عن منابع جديدة يمثلون بها إضافة للفن الإنسانى ، حتى من فنانى قارات استنزفها الاستعمار طوال قرون عبر احتلال الأرض والثقافات معا…وها هى تستعيد ثقتها بنفسها وموروثاتها الحضارية ، وتنتفض باحثة عن هويتها ، دون ان تكون تحت عناوين لمدارس أو مسميات حداثية ، وبغير مركب نقص او حقد على مستعمريها ومستغليها السابقين.
هذا ليس دفاعا عن أسماء النواوى ، بل عن طاقة مصر الولادة للإبداع وهى تحاول الخروج من الشرنقة!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »