17 مارس 2019
فنانتنا اليوم آتية إلينا من الاسكندرية ، حيث تعمل أستاذا بكلية الفنون الجميلة بها ، حاملة لوحاتها ذات الأحجام العملاقة ، لتعرضها بقاعة ضى تحت عنوان”حكايات الخريف”، وهو عنوان يتناقض – بحمولته التعبيرية الحزينة – مع تطلع الجميع بلهفة الى مجىء الربيع!..لكن خريفها الرمزى يتجاوز المواسم الجغرافية الى مواسم النفس المتقلبة حتى فى قلب الربيع ، إنها تعكس لنا شعور الانسان بالوحدة والبرد الزاحف على النفوس المغتربة حتى استحالت رؤوسها الى شقفات مسطحة مثلثة الشكل ، وكأن كلا منها شظية حادة استهدفت الرأس وأطاحت به وتركت جسده حائرا بلا قائد يقوده ، لكنها لم تمنعه من الحركة والفعل ، وإنُ يكن بأداء يشبه الواقع لكنه فى الحقيقة يجمده حتى يصبح ساكنا سكون التماثيل.
إن الفنانة – مثل كل السرياليين- تخلق عالما غرائبيا يستعير ملامح الواقع الخارجية ثم يفاجئك بما يؤدى الى صدمة تهز الثوابت والافكار المنطقية ، وكأن الفنان مدفوع بقوى كونية غامضة لا تنبع من العقل نحو حالةمن اللاوعى العبثى والمصير المجهول … هكذا نرى أشخاصها ذوى الرصانة والمهابة متأنقين بأزياء عتيقة الطراز ، جالسين على مقاعد وثيرة أو شاهقة الارتفاع ، أو واقفين فى وقار أرستقراطى ، خلف موائد الطعام المكتظة بالاسماك أو ثمرات التفاح ، أو حاملين سمكة هائلة الحجم ، كأنهم يقدمون الخير للبشرية أو يتباحثون حول مائدة الحوار ليقرروا مصير العالم فى ظل امتلاكهم ثروة من الغذاء تغطى سطح المائدة ، لكنهم فى الحقيقة(يمثلون) انهم أحياء وأنهم مهمون وهم ليسوا كذلك ، كأبطال ألف ليلة وليلة الذين فاجأتهم الصاعقة فثبتوا مجمدين فى أماكنهم بغير حراك على نفس اوضاعهم التى كانوا عليها ، أو كأنهم ” روبوتات”ألكترونية تدار بموجات كهربائية أو مغناطيسية عن طريق الشظايا المثلثة مكان الرؤوس المغيبة!
هكذا يبدو خريف جيهان سليمان منبئا بالوحدة والصقيع والموت ، على أن يظل المشهد ثابتا وهو يتظاهر بان كل شىء على ما يرام ، فكأننا فى حضرة حياة حقيقية ، فيما هى حياة وهمية زائفة!
أيكون عالم الفنانة حاملا كل هذا القدر من الحزن ومن التشاؤم الوجودى؟..أم هو مجرد بحث عن رؤية جمالية لا تهدف الى ابعد من استحداث “شكل” سريالى غريب ومثير للدهشة بغير دلالة فكرية معينة ؟ ..إنها تكاد تقنعنا – عبر بنائها الكلاسيكى المتمكن – أنها فنانة (ما بعد حداثية) فى زى كلاسيكى ، يذكرنا – على نحو ما – باسلوب الفنان المصرى الراحل محمد رياض سعيد ، وكأنها من خلاله تسخر من تشيٌوء الانسان فى حضارة مادية فقد فيها الانسان انسانيته وهدف وجوده وزمام أمره ،الذى باتت تتحكم فيه قوى مهيمنة ومدمرة ، لكن،الفنانة صرحت لى بانها لا تهتم بالموضوع ، بل ترى ان على الفنان ان يرتاد تجارب إبداعية فى مجال الشكل الجمالى دون تحميل الأعمال الفنية أعباء مضامين فكرية أو رمزية ،تاركا ذلك لحرية كل مشاهد فى استقبال او إضفاء المعانى التى يراها.
غير أننا أمام لوحات تفرض علينا شعورا هائلا بالوحدة الثلجية والغربة العدمية ، حتى بين شخصين يجلسان متجاورين أو متقابلين.وأيا كان انطباعنا النفسى فعلنا أن نسلم بأن الفن حمٌال أوجه ،وكلما تعددت وجوهه التعبيرية كلما ازداد ثراءَ وحيوية .

