27 مارس 2019
يقيم الفنانان الكبيران نازلى مدكور ورضا عبد السلام معرضيهما الجديدين بصالتين متجاورتين بقاعة بيكاسو بالزمالك ، ورغم اختلافهما الكلى موضوعا وشكلا ، فإنهما يطرحان قضية شديدة الأهمية بأعمالهما المبنية على تجارب إبداعية على مدار الرحلة الفنية لكل منهما ؛ وهى كيفية إحالة الواقع المحسوس فى الطبيعة إلى رؤى تجريدية حرة أو على مشارف التجريد ، حيث يصبح الموضوع الواقعى مجرد تكأة للإبداع أو منصة انطلاق نحو عالم خاص من التشكيل الجمالى ، تحكمه علاقات البناء البصرى ، من أشكال هندسية أو عضوية، ثم تتفاوت الرؤى التعبيرية بعد ذلك من فنان لآخر ؛ فهناك من الفنانين من يكتفى بإثارة المتعة الجمالية الخالصة من أية مضامين أو معان ،بنسج تكوينات مؤلفة من خطوط وألوان ليس إلا ، ولا يهتم بوجود أصولها فى الطبيعة، حيث يكون هدفه تجسيد الجمال فى ذاته والفن لذاته ، وإن لم تتجرد اللوحةمن المشاعر والانفعالات النفسية ، وإلا أصبحت محض أشكال سطحية جوفاء للزينة ، وهناك أتباع اتجاه “التجريدية التعبيرية” حيث يحافظ الفنان على الحبل السرى بين ( المنشأة التجريدية) التى شكلها بخياله ولو كانت لها أصول فى الطبيعة ، وبين هذه الأصول فى الواقع ، فتذكرنا دائما بجذور واقعية عبر ملامح وصور غائمة او غامضة نعرفها ونعايشها فى حياتنا او فى ذاكرتنا البصرية ، لكنها تظهر فى العمل الفنى كومضات خاطفة لا تستهدف إيجاد تأويلات او مضامين فكرية ، بقدر اهتمامها ببث شحنات من المشاعر او الذكريات حول المكان أو الزمان أو الانسان.
وتندرج أعمال المعرضين – فى رأيى – تحت الاتجاه الثانى ، مع اختلافهما الكامل فى المنابع التى يستقيان منها رؤاهما من الطبيعة والواقع ، وفى الأسلوب الفنى لكل منهما.
نازلى مدكور .. والزهور
فى معرضها المسمى ( حدائق خاصة) تجعل الفنانة من الزهور منطلقها الوحيد للتشكيل والتعبير ، حتى بدا المعرض كبستان كبير حافل بشتى الانواع والالوان ، لكن هذه الزهور لا تبدو كما اعتدناه فى الطبيعة ، بل تتجرد من ملامحها الواقعية وتقترب من التجريد البحت ، متخلصة من التفاصيل الوصفية ومن تجسيدها فى فازات أو تفتٌحها فى احواض حدائقية ، الأدوات التشكيلية والتعبيرية للفنانة هى اللون والملمس والسكين والفرشاة العريضة ، وسطح القماش أو الخشب المحمل بطبقات من العجائن السميكة الى درجةالبروز وإحداث نتوءات تبدو غير مبررة أحيانا ، وأحيانا أخرى يبدو السطح ناعما تنساب فوقه لمسات الفرشاة فى سلاسة ورقة ، خاصة مع الألوان الزرقاء السماوية والبنفسجية الحالمة والوردية الناعسة ، فيما تكثر فى اللوحات ذات السطح الخشن ضربات السكين بملامس المعجون الناتئة والألوان الأرجوانية المشتعلة والأزرق البروسى الداكن كأعماق البحر ، والبنى المؤكسد بطبقات لون الجبل ، فتبدو اللوحة ذات تضاريس متعددة المستويات تذكرنا بلوحات نازلى فى معارضها القديمة .
تختفى من لوحات الزهور أية خطوط ظاهرة ، فليس ثمة حاجة إليها فى غياب أية مجسمات تستلزم الرسم والتحديد ، وكذلك فى غياب تكوين للوحة بالمفهوم المتعارف عليه الذى يؤلف بين عناصر بصرية مختلفة تحتاج الى رابط خطى للعلاقات فيما بينها ،حتى ولو كان خطا وهميا غير مرئى ، فتبقى اللوحة فضاء عريضا مكسوا بالزهور بلا أول ولا آخر من أقصاها الى أقصاها بغير فراغ لالتقاط الأنفاس ، جامعا بين ملامس المدرسة التأثيرية وبين ملامس مدرسة الإسقاط العفوى لطرطشات الألوان التى تبدو عشوائية على طريقة الفنان الأمريكى جاكسون بولوك ،وتبدو حينا آخر أقرب الى أسلوب الفنان المصرى الرائد للتجريد فى هذا الاتجاه فى مصر فؤاد كامل ، ومع ذلك لا تخلو اللوحات من مناطق ساخنة باشتعال لونى وتعبيرى ، فى مقابل مناطق هادئة فى جو يشبه الحلم.
وتتسق الفنانة فى حسها التعبيرى مع منهجها الفنى الانطباعى ، فتبدو اللوحات كحالات عاطفية أو مزاجية قلقة ، متقلبة بين الانسجام والثورة ، وما بينهما من مشاعر الحزن او الفرح أو المحبة أو الحنين ، متخذة من بتلات الزهور وأوراقها وسيقانها (أو ما يوحى بذلك) مقابلا بصريا لنبضات القلب أو خفقات الروح أو ذبذبات الانفعال ، جاعلة من المتلقى شريكا فى الرؤية التعبيرية حسبما تقوده حواسه ومشاعره أمام كل لوحة.
رضا عبد السلام..وهندسة المشاعر!
قد يبدو هذا العنوان متناقضا مع العنوان الذى وضعه الفنان لمعرضه وهو(مشاهدات وانطباعات) ، مثلما يبدو التناقض بين معنى الكلمتين فى العنوان الذى وضعته هنا ؛ بين معني كلمة”هندسة” المرتبط بالتصميم البصرى العقلانى ، ومعنى”المشاعر”الذى يعنى التدفق النفسى الجوانى ، لكن هذه بالفعل هى معطيات الحالة التعبيرية والبنائية الملتبسة لدى الفنان ؛ فالخط المستقيم والزوايا الحادة والحس التكعيبى للأشكال المادية بقوة وصلابة تؤكدهما خطوط سميكة سوداء تحدد معالم المكان والأشياء وتثبتها فوق الأرض كالمبانى والأعمدة الخرسانية ، هى جميعا أقرب الى سمات التصميم الهندسى ، فيما تتخلل أركان هذا البناءالصارم أطياف بشرية ليٌنة الخطوط ، متفجرة بألوان ساخنة ودافئة ، أو اشكال خطية كدندنة الوحدات الزخرفية الشعبية على جوانب عربات الباعة المتجولين ،أو حتى فى طيف سحابة زرقاء ناعمة فوق البحر وكأنها توشك أن تمطر فوق هرم صغير أحمر وسط سطح الماء ،أو على هيئة طائر أزرق رقيق أمام فتاة بزىٌ صداح الألوان ، او على شكل مظروف ورقى أحمر يخرج منه طيفان لفتى وفتاة بلون أزرق.
إن كل هذه الأشكال والألوان بلا رابط موضوعى أو معنوى فيما بينها ، وأحيانا لا نكاد نرى رابطا بنائيا محكما يربطها بالهياكل الهندسية غليظة القوام ، إنما هذه الأطياف الرقيقة البازغة من وسط الأشكال الهندسية الصارمة ما هى إلا إسقاط عفوى لتدفق اللاوعى أو اللاشعور اللحظى ، يعمل على تحقيق التوازن النفسى وحالة الانسجام بين العقل والعاطفة ، فى إطار من التجريد التعبيرى أحيانا ، وفى أحيان أخرى تطل من داخل البناء التصميمى نزعة حلمية أو ميتافيزيقية ، نشعر وكأنها تتنازع للخلاص والحصول على حق الوجود ، متحررة من قيد الهندسة العقلانية المستبدة التى يفرضها الفنان عليها ، محاولا أن “يهندسها” ولو بِكَبت مشاعرها المتدفقة لصالح إقامة بناء شكلانى مجرد !



