السيد عبده سليم..ونسج الحلم بخيوط الواقع.

جولة المعا رض فى شهر ابريل ٢٠١٩
الشجرة العفية المروية بمياه النيل والأحلام – للنحات السيد عبده سليم – لا تزال تورق وتطرح ثمارها ، وتملك القدرة على إدهاشنا برؤى الخيال المجنح ، وتطير بنا الى ما وراء الطبيعة .
معرضه الجديد بجاليرى مصر بالزمالك ، الذى يستهل به معارض شهر ابريل ، يحمل عنوان “سحر الخيال” ، ويقدم آخر عطاء شجرته الابداعية على نفس المسار ، حوالى عشرة من أعمال السنوات الثلاث الأخيرة يضمها الى جوار مجموعة من أشقائها من مراحل فنية سابقة ، فلا تشعر بأن الأعمال القديمة فقدت طزاجتها ، أو بأن الأعمال الجديدة تكرر سابقاتها ، هى – فحسب – آخر العنقود ، تحمل جينات نفس الأب ، وإن كانت تنتح من ثقافات مختلفة ، لكنها تميل أكثر الى بساطة المعالجة وسلاسة الفطرة واختزال التفااصيل ، فيؤكد بها انه كلما ازداد الفنان نضوجا ازداد بساطة وطلاقة فى التعبير.
من أهم اعماله الجديدة فى ٢٠١٩ تمثال بعنوان (الكرم) لامراة واقفة وبإحدى يديها قسط للبن ، وبالأخرى كوب تقدمه الى ضيف لا نراه ، تبدو فيه كتلة المراة منسابة فى نعومة ورقة ، وقد تنحو نحو الاسلوب الواقعى ، غير انها واقعية تختزل أغلب التفاصيل ، وتبرز ما يؤكد التعبير عن العطاء الانسانى ، مثل انحناء الجسم الى الامام ، ما يستدعى ارتفاعا فى حجم المؤخرة ، ويؤدى بالتالى الى تموج الخط الخارجى للظهر فى أقواس أنثوية ، مع إضفاء حس البراءة الطفولية ممثلا فى “ذيل الحصان” فى تسريحة شعرها .
وعلى ذات المنوال جاء تمثال نُفٌذ عام ٢٠١٩ ايضا لفتاة تجلس جلسة المرأة المصرية القديمة مضمومة الساقين ، التى نراها كعلامة لغوية ضمن حروف الهيروغليفية ، لكنها تبدو هنا فى حالة وَجْد عاطفى متوحدة مع ما تؤديه من غناء او شعر ، وتؤكد هذه الحالة حركة يديها المضمومتين فى انفعال ، وحركة رأسها المرفوعة لأعلى ، وعنقها الطويل المشرئب ، وكأنها تتأوٌه عشقا .
ومن إنتاج نفس العام هناك تمثال “القط ” بحجمه الكبير الممطوط بمبالغة واضحة ، وهو يتسحٌب مضمرا شيئا فى نفسه ، وذيله الغليظ مرفوع لأعلى ، موحيا بحالة من التحفز ، يؤكدها الرأس الذى يبدو وكأنه يتشمم شيئا أويستشعر عدوا فيستعد للانقضاض عليه…إن قوة التعبير عن تلك الحالة تكمن فى حركة التسلل الموحية بالسحر فى الحواديت ، وتذكرنا على نحو ما بتمثال آدم حنين وبلوحات حامد ندا التى يظهر فيها مثل هذا القط المتسلل كالقدرالغامض فى صمت مخادع ، الناعم فيما ينبئ بغدر !
وعلى عكس (الحركة الساكنة) -إن جاز التعبير – للقط ، تبدو فى تمثال “الراقصة”٢٠١٩ حركة سريعةوصاخبة ، لقد تحول خصرها الى لولب أو حلزون يتثنى بين المط والانقباض فى خط يؤكد الحس الجسدانى اللعوب ، ولو رأيت التمثال من ظهره لوجدت به اكثر من مؤخرة لأكثر من امرأة …هكذا ذهب خيال الفنان للإيحاء بوجود طاقجة هائلة فى جسد المرأة تعادل عدة نساء !
ومن أعمال٢٠١٨ يعود الفنان الى موضوع طالما عالجه فى مراحل مختلفة وهو الأمومة ، لكنه هنا يحمل معنى صادما للمشاعر ، ويعكس التحول السلبى للحياة المادية الذى يؤدى الى امومة مصطنعة وليست حقيقية ، فالام التى نراها مترعة الثديين تلد طفلا كاذبا كالحمل الكاذب ، فهو ليس إلا دميةمن البلاستك مما ينتشر فى السوق من هذه الدمَى ،ونراه يهلل بيديه فى اتجاه ضرع الأم معلنا عن حياة إنسانية جديدة ، فيا نعرف انه جماد لا يشعر بشىء…وتلك أقسى مأساة للمراة التى تكون قد حرمت من الإنجاب فتعيش وهم الأمومة ، ولاأعرف إذا كان هذا المعنى قد خامر الفنان أم لا ، لكن الأمر فى كل الأحوال ثقيل على المشاعر الانسانية ، ومن الناحية الفنية ارى جسم المرأة يلفظ الجسم البلاستكى الدخيل على الأسلوب الاختزالى غير الواقعى المعروف للفنان ، وأرى أنه لم يوفق فى تحقيق التجانس الفنى بين الشكلين: البرونزي والبلاستكى ، فضلا عن وجود شعور غريزى بهول فكرة التمثال التى تتعارض مع أسمى قيمة إنسانية فى الوجود..وهى الأمومة ، وقد يستساغ ذلك فى أعمال السرياليين ، لكنه امر لا يتناسب مع عالم “سليم” الذى طالما رأيناه يمجد الأمومة.
وربما لا نجد فى هذه الأعمال الأخيرة نفس العالم الأسطورى المجنح بالخيال لدى الفنان فى أعماله السابقة ، إذ كان يأخذنا فى رِحابه بعيدا عن الواقع وعن منطق الطبيعة والعقل ، لكن لعله يجعل من أعماله فى هذه الفترة هدأة أو استراحة محارب ، يلتقط فيها أنفاسه مع دفقة مكثفة من المشاعر الانسانية البسيطة والمركبة معا ، فيما تظل أعمال مراحله السابقة ماثلة فى خواطرنا ووجداننا ، وقد عرض منها عددا غير قليل فى هذا المعرض.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »