فيس بوك
13/12/2022
شهرزاد تصبح لاول مرة حرة من عبودية شهريار ، هكذا صنع الفنان حمدى أبو المعاطى أيقونته الفنية بمعرضه الأخير ، قدمها لنا عروسا تتجمٌَل مُختالة فى ثوب زفافها الأبيض ، حالمة بعريس الأحلام الذى تنتظره لتحل إلى جواره محل قاهرها الملك المتعطش للدماء الذى لا ترويه نساء الدنيا ، ولم تنج من سيفه إلا امرأة واحدة بدهائها ، وكان طوق نجاتها هو سحر الحدوتة التى امتدت حلقاتها ألف ليلة وليلة بغير نهاية ، لكن شهرزاد التى ولدت من خيال أبو المعاطى لم تكتف بأن تنجو بحياتها من سجن شهريار وسيفه فقط ، بل تخلصت من شهريار نفسه ، بأن حذفته نهائيا من مجلس عرسها الذى نصبه لها الفنان فى اللوحة ، وتركت مكانه خاليا، فى انتظار عريس لا يُدمِن سفك الدماء ، ويليق بقصة عِشق ليست أقل أسطورية من قصتها مع الملك!
لم يقل لنا الفنان شيئا من ذلك وهو يقدم معرضه الجديد حين أقامه بمركز الجزيرة للفنون منذ عشرة أيام ، بل منحه عنوانا ذا صلة بالروحانية ، ومن حقه أن يسمى معرضه ولوحاته بما يشاء من صفات أو لا يسميها على الإطلاق ، ومن حق الناقد والمتلقين كذلك أن يقرأوا بين ثناياها ما يهيئه لهم خيالهم ، وهذا ما قرأتُه شخصيا ، رأيت المرأة “النداهة” ، عاشقة العشق للعشق ، لا للمُلْك أوالجاه أو المال أو السلطان ، عائشة فى فردوسها الأبدى ، بين عبق قنانى العطر وتغريد البلابل وورود الخمائل وانسياب الزخارف على الطنافس والأنغام كانسياب النهر يجرى من تحت قدميها!
وأياُ كان ما أراد الفنان أن يصوره ، فأظنه لن ينفى أن عالمها عالم أنثوى مخاتل ، إن بطلته المتوٌَجة بتاج الزفاف ترفل فى الحرير الأبيض الفضفاض مع أحلام العذارى الهائمات شوقا لعش الزوجية السعيد ، لا تعكره مشكلات أو أحزان ، بل يسكنه السلام والحب الأبدى ، وقد أتمادى متقاربا مع الفنان فى الحلم فأضيف : “…والسمو الروحانى” ، طالما أنه يجد فى الروحانية ما يسمو على الحب ، فيما أرى شخصيا أن الحب أكبر وأشمل من الروحانية ، التى لا يخلو الحب منها ، وإلا وقف نموه عند حدود الغريزة او الضرورة النفعية .
ولأن الحياة فى حقيقتها قلٌَما يوجد بداخلها مثل هذا “الحب للحب”، فإن الفنان يخلقه بالخيال والحلم ، ويدرجه فى منظومة الفن مثلما رأته أجيال الفنانين فى مختلف العصور منذ الحضارات القديمة ، وقد اشتركت جميعا فى تقديس قيمة الحب كمضاد لقيم الحرب ، وجعلته هذه الحضارات معادلا للحياة وسببا لإعمار الأرض ، حتى الأديان السماوية فعلت ذلك ، وإنْ منحته اسم “المحبة” ، أو منحه المتصوٌٍفة صفة “التماهى” ، وقد أمنحه أنا صفة الكمال الوجودى ، ودليلى هو قصة الحبيبة “تاج محل”فى الهند
على أى حال فإن مناط النجاح أو الفشل للعمل الفنى ليس نبل الموضوع أو الغاية ، بل هو كيف “عبٌَر” الفنان بلغة الفن وحدها عن الموضوع والغاية ، ومدى أصالة وجِدٌَة هذا التعبير ، ذلك أن لغة الفن هى مفتاح التحقق فيه ، وأن الموهبة الفنية الأصيلة هى قارب الوصول إليه ، بعد مشوار الخبرة الجمالية للفنان ، والصقل المستمر على محكات التجارب الفنية عبر التاريخ.
وموهبة أبو المعاطى قدمته إلى الحركة الفنية ، بقوة ، منذ آخر الثمانينيات ، وفتحت أمامه باب صالون الشباب، وجاءت له بجوائزه منذ دوراته الأولى ، وأذكر أننى لم أجد من بين أعمال عدة دورات متتالية عملا فنيا يناسب غلافا لكتابى “التوجه الاجتماعى للفنان المصرى المعاصر” إلا تشكيلا مُرَكٌَبا للفنان حمدى أبو المعاطى ، فبالرغم من انه كان يجارى به أساليب الحداثة الغربية التى قد تتناقض مع الموضوع الاجتماعى للكتاب بجذوره الحضارية ، فقد وجدتُ فيه تعبيرا قويا جذابا يتجاوز جماليات الشكل السائدة آنذاك ، إلى مفهوم الحلم الذى يسكن وجدان الفنان ، عبر التحليق الخيالى وسط فضاءات أوسع مدًى من حدود الواقع التى قد ينحبس فيها الفنان .
ورغم ان عنصر الخط الخارجى الأسود الذى يحدد الأشكال كان مسيطرا على مراحل الفنان منذ التسعينيات ، وأنه كان يبدو متقشفا فى استخدام الألوان حتى بدا أقرب إلى أسلوب الجرافيك ، وأن الموتيفات التشخيصية ، خاصة للطائر المندغم الرأس فى الكتفين والمرأة التى تطارحه الحب، تحولت لديه إلى أيقونة شبه ثابتة ، جعلتنى أتوقع مقدما ما سيحتويه كل عمل جديد قبل أن أراه ، فإنه كان دائما حريصا عل الاحتفاظ بمسحة من الحلم والخيال ، وإن “تعقلنت” عنده المغامرة بشكل عام.
فى معرضه الجديد استحضر أبو المعاطى كل رصيد الخيال لديه ، واستكمل لياقته كبنٌَاء تمكٌَن من حبكة التكوين وإيقاع الخطوط وزهوة الألوان وكثافة الملامس التصويرية ، مع احتفاظه للخط الأسود الصريح بدور البطولة المطلقة ، وتوظيفه توظيفا غنائيا لخلق إيقاعات نغمية ، تستوعب الكم الكبير من التفاصيل السردية التى يفرضها الموضوع ، وتمتص قدر المستطاع الطابع الزخرفى المهيمن على اللوحة ، بعناصرها الهندسية والنباتية الكثيفة ، وهو ما كان يهدد بتحول اللوحة إلى نوع من لوحة الزينة المحضة، لولاعاملين أساسيين: الأول هو قيام الفنان بحصر شرائط المساحات الزخرفية فى اماكن محسوبة وتحت السيطرة ، والثانى هو ، وذلك هو الأبرز ، جرأته على إزالة الحدود بين اللوحة والإطار الخارجى ، بما يجعل الألوان تفيض على أجنابها الأربعة وتصير امتدادا للإطار ، وكذلك على دهان سطوح بعض اللوحات بمساحات هندسية بألوان ضارية وبشكل أفقى ، تجتازها من أقصى ضلع إلى أقصى الضلع الآخر ، على هيئة مستطيل أو مثلث أو قوس أو رشة لونية منثورة ، فيكسر بها رتابة الطابع الزخرفى أو السيمترى ، وينتقل باللوحة إلى آفاق تجريدية أو تعبيرية مثيرة ، كما يشكل ذلك حوارا بصريا بين الخطوط المستقيمة الجافة لهذه المساحات اللونية وبين المحاور القوسية الحنونة ذات الوقع العاطفى لأغلب خطوط التكوين ، فتَنتُج عن هذا الحوار البصرى حالة غنائية “ليريكية”جياشة بالحركة والنقلات الإيقاعية.
وقد يرى الكثيرون أن حياتنا المعاصرة أصبحت تخلو من مثل هذه المشاعر ، من الحنين والحب والسلام والطرب والفرح بالحياة ، حتى باتت جحيما لا يطاق ،فكأن الفنان يزيف الواقع ويدعونا للعيش فى الوهم ، وأقول : ألا يكفى ذلك بحد ذاته سببا ودافعا للفنان كى يجعل للحياة معنى
يجعلنا قادرين عل احتمالها؟..وأليست تلك إحدى غايات الفن ؟