صالون الشباب..عودة الإبن الضال!

فيس بوك 23 يناير 2023

كان بينى وبين صالون الشباب للفنون التشكيلية سوء تفاهم منذ نشأته عام ١٩٨٩..نتيجة اعتقادى بأنه ولد ولادة صناعية من أعلى لفرض الحداثة..لكن الهدف الأبعد هو أن يكون وعاء لاحتواء الشباب فى اتجاه اللحاق بسياسة العولمة الثقافية..وأن الصالون ليس إلا نموذجا لتكريس نفس سياسة الاحتواء فى الحركة الثقافية المصرية بهدف آخر هو إبعاد المثقفين عن المناوأة الدائمة لنظام الرئيس مبارك..حيث كانت تمارسها أغلبيتهم منذ بداية حكم الرئيس السادات..وكانت وسيلة النظام لتحقيق الاحتواء هى الإغراء بالمكاسب الأدبية والمادية..ومن وراء هذه الغاية فى الحقيقة هدف أبعد مدى هو امتصاص ميلهم الدائم للمطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومقاومة التطبيع مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادى..ورأت السلطة أن ما لم يؤخذ بالعصا يمكن أخذه بالجزرة..وكانت أداتها لتنفيذ ذلك بالنسبة للأدباء والفنانين والمفكرين هى احتواؤهم فى لجان المجلس الأعلى للثقافة بحجة تمكينهم من إدارة شؤونهم بأنفسهم ووضع السياسة الثقافية للبلاد (وإن بقيت كل اقتراحاتهم ومطالبهم وبنود سياستهم المقترحة حبيسة الأدراج بدون تنفيذ طوال ربع قرن ..أو بالأحرى حبيسة أسوار “حظيرة المثقفين” كما أسماها الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة آنذاك)..أما أداة النظام لاحتواء الفنانين الشباب بعيدا عن الأفكار الثورية قبل أن تنضج خمائرها بداخلهم متأثرين بمناخ المعارضة ..فكانت إنشاء صالون الشباب..وتخصيص ميزانيات طائلة لجوائزه لم تشهد مصر مثلها طوال تاريخها حتى فى جوائز الدولة..لكن الأهم هو ما بثٌَه المسؤولون والدكاترة الموالون لهم من أفكار حول وجوب إحداث التغيير ..بل الهدم لكل ما هو قديم..حتى استخدموا كلمة الركل لهذا القديم..ويتمثل ذلك تحديدا فى اتٌِباع الاتجاهات الفنية ما بعد الحداثية فى الغرب..بما فيها الرافضة للحفاظ على التصنيف المتعارف عليه لأنواع الفنون..من تصوير ورسم ونحت وحفر وخزف بدمج أكثر من فرع منها فى عمل واحد ..وتجنُب المضامين الداعية فى أعمالهم لتعميق الهوية القومية لصالح ما سُمِى بالعالمية..فيما هم يكرٌِسون فى الحقيقة لهدم الثوابت واعتبار الفوضى والعشوائية والسخرية من التقاليد هى أساس “الجمالية الجديدة” حسب ما تذهب إليه اتجاهات ما بعد الحداثة..وبالتالى باركوا لجوء الشباب إلى استخدام أنماط صادمة للذوق عبر الخامات الغريبة والمخلفات الوضيعة والكراكيب المهملة بعد أن يتم تجميعها تحت مسمى (الأعمال المركٌَبة)..واتخذ بعضها عنوان: الفن المفاهيمى..دون الالتفات إلى منطق استخدام أصحاب هذا الاتجاه فى الغرب المتسق مع نزعتهم الراديكالية (المتطرفة)فى نظريتهم لما بعد الحداثة..كتعبير احتجاجى عن مناهضتهم للسياق الثقافى الذى يفرزه المجتمع الرأسمالى فى الحضارة الغربية المعاصرة..بقيمها المادية والاستغلالية.. وقيامها على تعميق الفردية والنفعية..بما يجعل من هذا التعبير الاحتجاجى نوعا من السخرية والاستهزاء بتلك القيم ..بل والتشكيك فى أى قيمة معنوية او رموز تاريخية تتبناها السلطة.
وتحت الإغراء القوى لجوائز الصالون الكثيرة عددا والمرتفعة قيمة ماليا ..وتحت التحفيز الحماسى من بعض الأساتذة (الدكاترة) وأعضاء لجان التحكيم المسايرين للسياسة المرسومة..تم التكريس- على امتداد السنوات – لهذا الاتجاه ولكل اتجاه ينتمى لآخر صيحات الحداثة فى الغرب للفوز بكبرى الجوائز..بدون أن يتسلح الحاصلون عليها بالثقافة الكافية لمعرفة أسباب تميزهم .. لكونهم ناقلين لرؤى أعمالهم وليست نابعة من قناعاتهم..ومن ثم هم غير مدركين لدوافع هذا الاتجاه فى مَنشئه الأصلى ..والأهم: بدون توفر الحافز والتشجيع لديهم للبحث عن خصائص مصرية يمكنهم من خلالها تحقيق حداثتهم الخاصة النابعة من ثقافة أو خصائص محلية..وهو ما دعانى إلى اعتبارهم فى كتاباتى المتوالية “مختطَفين بمشيئة فوقية”.
ولا شك أن الأمر فى الواقع لم يكن بهذا التعميم..حيث بزغت وسط مسيرة الصالون مواهب عديدة لشباب تمردوا على هذا السياق ولم يعتبروا الحصول على الجوائز دافعهم الوحيد..بل غلٌَبوا رؤاهم الذاتية النابعة من روح وتراث وهوية هذا البلد..ونجد اليوم بعضهم – بعد أكثر من ثلاثة عقود من نشأة الصالون – يتصدرون الحركة الفنية بأساليب بالغة الحداثة وعميقة بجذورها المصرية فى الوقت ذاته..حتى وإن فاز بعضهم بجوائز الصالون أكثر من مرة بفضل مواهبهم التى فرضت نفسها على لجان التحكيم قبل أن تتجاوز أعمارهم سن الشباب التى تفرضها لوائح الصالون لتنظيم حق الاشتراك فيه..وذلك بعد أن تطور وعيهم على مر السنين بالمعنى الحقيقى للحداثة وليس المعنى المصطنع الذى تم تصديره إليهم بعيدا عن هويتهم الوطنية.
أثارت هذه الخواطر فى نفسى زيارتى لصالون الشباب فى دورته رقم ٣٣ المقامة حاليا بقصر الفنون بساحة الأوبرا..حيث لاحظت تراجع اتجاهات ما بعد الحداثة حتى قاربت على الاختفاء..وغلب احترام الفنانين وواضعى شروط الاشتراك فى الصالون للأنواع الفنية بخصوصيته التاريخية من تصوير ورسم ونحت وحفر وخزف..وبروز الاتجاه نحو تصوير الأشخاص او الكائنات الحية..والعودة الى أساليب المدارس الفنية التى أوشكت على الاختفاء على مدى الدورات السابقة للصالون مثل الواقعية بل والكلاسيكية والتأثيرية والتعبيرية وصولا الى السريالية والرمزية..والقدرة على الجمع بين أساليب مدارس مختلفة فى نفس العمل بنزعة حداثية معاصرة..والأهم من ذلك كله هو أن الروح المصرية الصميمة فرضت نفسها على أغلب مساحات المعرض..على عكس ما كان سائدا من قبل..حيث كنتَ تشعر وانت تتجول فيه أنك في أى بلد إلا أن تكون فى مصر..ورأيت أن ذلك يتحقق بنسبة كبيرة من خلال قدرات عالية على البحث الجمالى والبناء الفنى وعلى التحليل للشكل..مع إدراك للقيم التشكيلية الواجب توافرها فى العمل الإبداعى..بغض النظر عن أى مدرسة ينتمى إليها..وهناك بلا شك شواهد غير قليلة على الضعف..مثل وجود معالجات مدرسية من تأثير الدراسة بالكليات الفنية..كما أن هناك ضعفا فى الاعمال السريالية والتجريدية والمفاهيمية..ونقصاً فى الجرأة والمخاطرة الإبداعية..بطَرْق أساليب جديدة غير مطروقة..ومع ذلك فهناك ما يعوض هذا القصور متمثلا فى قدر الجدية المتحقق فى معظم المعروضات..إلى جانب أن لجنة التحكيم كانت واعية وأمينة فى منح جوائزها بمعيار التمكن والجودة أياً كان الاسلوب أو المدرسة الفنية التى انتهجها الفنان..فإن الفيصل لديها هو قدر الموهبة والهضم للاتجاهات الفنية المستعان بها.. وامتلاك الخيال والتفرد بشخصية خاصة.
ولست بصدد القيام بتحليل لهذه الأعمال وتقييمها كحالات منفردة وأسماء بعينها..فهذا مما لا تحتمله مساحة كهذه ..وقد أردت اليوم الإشارة فقط إلى التوجه العام نحو الجدية والأصالة والبعد عن التبعية..إذ أرى أنه توجه ينمو تدريجيا..وكم أشرت فى الدورات السابقة للصالون إلى أأهميةتشجيعه لخلق أجيال جديدة متشبعةبروح الانتماء..وكم واجهت من عنت وتجاهل وتهميش بسبب موقفى ضد اختطاف الفنانين الشباب نحو الاغتراب وفقدان الهوية..لكن ها أنا عشت حتى رأيت عودة الاتجاه الى المنابع.. بعد أن أثبتت الأيام أننى كنت على صواب وأنه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح..وها هو الوجه الأصيل يعود للشباب المصرى كعودة الإبن الضال إلى بيت أهله..
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »