فيس بوك 26 ديسمبر 2021
هى حبة لؤلؤ فى عقد عظيمات مصر ، كونت نفسها فكريا وثقافيا ببطولة استثنائية ، علمت نفسها القراءة والكتابة وهى شابة قهرها التمييز الأبوى حتى فاتها قطار التعليم ، وتخطٌت حاجز القهر ، ثم انضمت الى المكافحين لتحرير الوطن مع زوجها الكاتب الكبير عبد الله الطوخى ، أحد فرسان الكلمة والنضال الوطنى ، الذى آمن بها ووقف بجانبها وقفة رجل جعل منها مشروع حياته كجزء من مشروع الوطن ، لا للتغنى به ، بل لتثويره وتغييره وتنويره ، وكانت أداتها الى جانب دعم زوجها، هى الموهبة الفياضة بالإبداع المسرحى والدرامى ، بقوة تفجير للثوابت العرفية البليدة والمسلمات الرجعية والعقليات الجامدة ، فقهرت المستحيل وقدمت المثال الشجاع لبنات جنسها ولكل المقهورات والمقهورين، فى القدرة على قهر المستحيل وصُنْع واقع افضل ، وفتحت أمام الأجيال نوافذ للحرية والأمل فى بناء وطن العدل والتقدم والكرامة الإنسانية ، ولتحقيق هذه الرسالة لم تكتف بما تقدمه من إبداع أدبى أو مسرحى او درامى ، وكان إنتاجها المتميز مطلوبا ومرحبا به فى اى مكان ، وكافيا ليجعلها تعيش عيش النجوم الرغد ، بل سعت دائما للمشاركة فى حركات النضال الثورى ، من المظاهرة حتى المؤتمر ، ومن العمل السياسى فوق الأرض الى العمل التنظيمى تحت الأرض ، ومن الحراك عبر الجمعيات الثقافية مثل أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب (حيث تزاملنا عشرين عاما فى مجلس إدارته وفى بث النشاط من فوق منصته ، ومعنا الفنانة الرائدة إنجى أفلاطون والشاعرة الرائعة ملك عبد العزيز وكوكبة من كبار الادباء والفنانين بقيادة الفنان الرائد راتب صديق) ، الى جمعية الكاتبات المصريات التى شاركت فى تأسيسها ، وصولا الى العمل من خلال حزب التجمع الاشتراكى التقدمى الوحدوى ، ولجنة الدفاع عن الثقافة القومية ، لكنها ظلت تقف على مسافة محسوبة من هذه المنظمات جميعا ، نائية بنفسها عن لغة الخطاب الأيديولوجى أو الشعاراتى ، فقضيتها هى الواقع فوق الأرض ، لا التحليق فى سماء الايديولوجيات وحذلقة المثقفين ، أو ارتقاء المنصات الثقافية والإعلامية رغم أنها فى القلب منها .
تلك المثقفة العصامية المعجونة بالموهبة ، كانت تملك موهبة أخرى لا تقل روعة ، وهى بمثابة بئر العطاء والحب والجدعنة وجمال الفطرة الإنسانية والروح الإيجابية ، إنها التطبيق العملى لمقولة “المثقف العضوى” ، ودوره القيادى فى التغيير والثورة ، كتفا بكتف مع كتائب المناضلين والثوار ، ودفعت لذلك ثمنا باهظا من حريتها فى السجون والمعتقلات وحرب الرزق وانتهاك الحياة الشخصية بالشائعات المدمرة لأسرتها .
فهل غرُبَ زمن يفرز فارسات مثل فتحية العسال وإنجى أفلاطون ولطيفة الزيات ومحسنة توفيق وعواطف عبد الرحمن وأمينة رشيد وفريدة النقاش ، ومثلهن العشرات من فارسات وفرسان ذلك العصر من كتاب وفنانين وساسة ومثقفين ؟، إن أغلبهم عاشوا فى الظل وأقلهم كانوا فى دائرة الضوء ، لكنهم جميعا عاشوا حياة البسطاء ، ووضعوا تقدم الوطن فوق الأغراض الذاتية ، وجعلوا قضية النهوض به فوق قضاياهم الخاصة او مطامحهم الفردية ، وقبلوا التضحيات الجسيمة فى سبيل ذلك بنفوس راضية لا تعرف الحقد ولا تشعر بالغبن والاضطهاد ، لأنهم آمنوا بأنهم يدفعون ثمن اختيارهم الحر وهم يعلمون مقدما تبعاته منذ البداية، وكان بوسعهم التراجع وحصد المكاسب لو شاءوا.
السلام والرحمة لروح فتحية العسال ولمن رحلوا وهم سائرون على نفس الطريق قبلها او بعدها ، وباقات الورد لمن لا يزالون يعيشون بيننا ، تحية لهم وعرفانا مع مَقْدم العام الجديد ، داعيا لهم بالصحة والستر ، وإشعارهم بالوفاء من جانب الاجيال الجديدة.
وشكرا لمحبي فتحية الذين أحيوا اليوم ذكراها على صفحات الفيسبوك.