هذا فنان أخلص لرسالة التعبير عن حالة كونية ، وعن شحنة درامية كامنة بداخل الكتلة التى تبدو نحتية رغم أنه مصور متين وليس نحاتا ، فرغم قوة ألوانه وثرائها البصرى فإن الكتلة عنده هى سيدة الموقف ، من خلالها يتجلى صراع الجبابرة فوق المجرٌَة..رسوخ يقذف حمما بركانية من جبال وصخور ، ومع ذلك فثمة حلم شفيف ينبع من جلاميد الصخر ، ومن الرواسى الرواسخ ، ومن تفجرات البراكين ومن سيولة الحركة فى الكثبان الرملية ، ومن بطون الأرض ومن فوران أمواج المحيط.
الصراع دائم بين قوى الطبيعة ، وفى الحقيقة هى قوى الصراع داخل النفس البشرية ؛ بين النور والظلام ، اللون والظلال ، الملمس الوحشى ، التجريح والكشط ،الإزاحة والإدماج ، التسييل والصلابة ، التكتيل والتشرذم ، التصادم والتناغم ، التشظٌِى والتماسك…هذه جميعا أدوات الفنان لعزف سيمفونيات بصرية هادرة.
مساقط رأسية من منظور عين الطائر لمساحات أرض خلاء مبقورة البطون ، تتفجر بغليان قُوَى سفلية مجهولة أو معادن غير مكتشفة ، تلك أعمال لا تعرف الهشاشة ، يغذيها بحث فنى دائب عن الجوهر لا عن المظهر ، عن عروق القوة الدافعة للحياة لا عن دبيب الضعف والخمود المؤدى إلى الموت.
وقد اختار الزهيرى الأسلوب التجريدى طريقا لتحقيق هذه الرؤية ، وتلك مغامرة تشكيلية كبيرة ، فليس من مهام التجريد حمل رسالة ما ، حتى وإن كانت ضمن التجريدية التعبيرية ، ويقتضى منى ذلك استعراضا سريعا لانواع وأشكال الفن التجريدى لنرى أيها سلك الفنان لبلوغ غايته ..
وبغض النظر عن المسميات والتقسيمات النظرية، هناك التجريد الزخرفى او القائم على الأشكال الهندسية أو العضوية بتداعياتها وتناسلها الذاتى ، وهو يخاطب البصر بإيقاعات وتوازنات خطية ولونية مهندسة عقليا ، وهناك التجريد الغنائى الطروب الذى يكرس لوظيفة الزينة أو المتعة البصرية لذاتها ، ويدغدغ الشعور والحواس ولا يبرحهما الى منطقة مفاهيمية ، وهناك التجريد المتوافق مع الطبيعة باستخدام عناصرها الخارجية أو دلالاتها الإنسانية كإيحاءات ورموز مجردة من تفاصيلها الواقعية ، لكنها تنضح بها أو تشف عنها بغموض ، وهناك التجريد التعبيرى ، الجياش بالمشاعر والصراع والرؤى والدراما الوجودية ، وهو ينآى تماما عن محاكاة الواقع متحررا من الطبيعة ومن المعنى المعين ، وقد يحلق حولهما بغموض وصولا إلى حالة من سبر أغوار الوجود الكونى، ومحرضا على تجاوز السائد والمألوف نحو رؤى يمكن للمشاهد تخيلها ، ويستخدم الفنان لذلك كل ما يفصح عن شحنته التعبيرية عبر عناصر التشكيل المستخدمة فى جميع الانواع السابقة من التجريد.
وإلى هذا النوع الأخير ينتمى الفنان الكبير عبادة الزهيرى ، لكنه – على عكس معظم التجريديين بأتجاهاتهم المختلفة – استخدم البعد الثالث لتجسيم أشكاله فى المكان والفضاء ، ليكون لها حضور راسخ يحيل المُشاهد إلى بعض مَشاهد الطبيعة من دون إفصاح ، بُغية خلق حالة من الالتباس أمامه بين أن يكون ما يراه واقعا او خيالا ، كما يساعده ذلك على إعمال سكين ألوانه وأمشاطه فوق سطح العجائن السميكة ليستخرج من تحت السطح طبقات وملامس لونية وعجائن كثيفة سبق له وضعها تباعا ، لهذا فالألوان عنصر مساعد فى لوحاته ، إنما البطل هو ما تحت الطبقة اللونية العليا من ألوان متراكمة تومض عبر الكشط والتجريح محدثة نسيجا متوترا مرتعشا
كذبذبات قوس الكمان على الوتر ، لكنها تصنع بجسم الكتلة – وهى سيدة الموقف – نبضا لعمالقة تنتفض بحراك يشمل جميع أجزائها.
إن هذا الأسلوب أقرب الى الموسيقى السيمفونية بإيقاعاتها الدرامية وتقابلاتها النغمية فى “الكونتر بوينت” ، مع احتواء العمل (وهو الكتل فى حالتنا)على ترديدات للحن الأساسى تَشغِى بالدندنة المقابلة للذبذبة الوترية المرتعشة من دون الوقوع فى أسر الثرثرة النغمية.
لكن هذه التجربة الفنية للزهيرى تثير مشكلة اتجاهات الفن التجريدى التى أشرنا إليها ، وهى مشكلة مزدوجة ، إذ تتمثل عند الجمهور فى كونها – ولو ظاهريا – بلا معنى مفهوم بمعايير المنطق المعتادة والمتفق عليها بالنسبة للذائقة العامة ، وتتمثل عند النقاد فى عدم وجود معايير ثابتة ومستقرة للجمال فى التجريد ، مقارنة بالمدارس الكلاسيكية والواقعية والتأثيرية بل حتى السريالية ، يمكن بها التمييز بين فن نابع من موهبة حقيقية لا شك فيها ، وبين مجرد تجارب عشوائية لا تنبع من موهبة أصيلة ، هنا أرى أن الفيصل فى التمييز هو استناد العمل الفنى إلى تراث من الخبرة الفنية والفطرة الإنسانية معا لدى كل من الفنان والناقد والمتلقى ، إلى جانب الاحتكام إلى أسس مشتركة لا تخلو منها جميع المدارس الفنية قديما وحديثا ، ومنها قيم البناء الفنى الجامعة لمفردات اللغة التشكيلية ، من أسس التكوين وعلاقات اللون والخط والملمس ، ومن موازين الإيقاع والحركة والهارمونى والتضاد…إلخ. وجميعها مفردات تتطلب ذائقة فنية مرهفة وتدريبا ومثابرة على التعلم معا. وأزعم أن عبادة الزهيرى يملكها جميعا باقتدار ، ويتقن توظيفها للتعبير عن شحنة نفسية جياشة ، ولتفجير طاقة معنوية للحياة والوجود ، خاصة وأنه دارس أكاديمى رفيع المستوى وممارس جيد لأساليب الواقعية بمهارة عالية فى مراحل سابقة


