هيئة قومية للفنون (٢) … هل تنقذ الهيئة أغلى ما نملكه؟

 

عز الدين نجيب

فيس بوك 17 يونيو 2022

أمريكا ليست أكبر قوة عظمى فقط بجيوشها واقتصادها وسلاحها النووى ، بل قبل ذلك بتقدمها العلمى وبهيئة “ناسا” لعلوم الفضاء ، وبأكبر أوركسترات الموسيقى وأعظم متاحف الفنون الجميلة وعلى رأسها متحف متروبوليتان للفن العالمى.
روسيا لم ترث من الاتحاد السوفييتى قنابله الهيدروجينية وترسانات الأسلحه فحسب ، بل إن ما ورثته وأعطاها القيمة والمجد والتفوق هو مسرح البولشوى ومتحف الأرميتاج وفرق الباليه والموسيقى السيمفونية العظيمة وميراث عباقرة الأدب الروسى.
فرنسا لا تزهو بطائرات الميراج والبوارج والغواصات العملاقة او بعضويتها فى حلف الناتو ، بل تزهو أكثر باستقبالها لما يزيد عن ٧٠ مليون سائح أجنبى سنويا ، ويمثل متحف اللوفر عنصر الجذب الأكبر لهم بما يضمه من عيون الفن العالمى وتراث الحضارات ، وعلى رأسها الحضارة المصرية القديمة.
وهذا ما تتمتع به أيضا جميع المتاحف الوطنية فى إيطاليا وبريطانيا واسبانيا وألمانيا ، التى تتضمن فنون كل الحضارات القديمة والإبداعات الحديثة ، وتجعلها من مصادر الاستثمار الاقتصادى الأولى لبلادها،
وكان يمكن لمصر ان تكون بين الدول الأكثر جاذبية للسياحة ، بما يجعلها من أغنى الدول اقتصاديا ، لو أحسنت استثمار ثرواتها الفنية والحضارية وجعلت منها صناعة ثقيلةبغير منافس ، فمصر بحق الأكثر ثراء بين دول العالم بهذه الثروات الحضارية ، ليست المصرية القديمة واليونانية/ الرومانية والقبطية والإسلامية فقط ، بل كذلك بالفنون التشكيلية الحديثة من كل الدول والعصور وبمختلف المدارس والاتجاهات ، فوق تراث حركتنا التشكيلية المتراكم على امتداد اكثر من قرن ، يكفى أن متحف الجزيرة بساحة الأوبرا وحده يضم ٤٠٠٠ عمل من شتى دول العالم ومن أعمال المستشرقين الأجانب ومن مختلف الحضارات شرقا وغربا ، وكذا متحف قصر عابدين قد يصل عدد مقتنياته إلى ضعف هذا العدد ، أمامتحف الفن المصرى الحديث فيضم أكثر من ١٥ ألف عمل فنى بشتى الأساليب المصريةالتى تناظر الأساليب الغربية لكن بخصوصية وتفرد ، فى حوار حضارى رفيع المستوى ، ومتاحف الفنانين الرواد : محمود مختار ومحمد ناجى ومحمود سعيد وسيف وأدهم وانلى وعفت ناجى وسعد الخادم وعمر النجدى ونبيل درويش وعايدة عبد الكريم وغيرهم ، وفى المقابل هناك متحف محمد محمود خليل الذى يضم أكثر من ٤٠٠ عمل تعد من دُرَر عمالقة الفن الأوروبى ، مما تتمنى أى دولة فى العالم أن تستضيفه بأى مقابل نطلبه ، وقد أحدثت استضافة هذا المتحف فى باريس رجٌَة هائلة فى التسعينيات حتى أن الأعمال خرجت من المطار الى قصر أورساى ، حيث مكان العرض ، فى موكب ملكى محاط بالحرس لم يخصص مثله لملك فرعونى إلا مومياء رمسيس الثانى ، لسبب بسيط : أن تلك المقتنيات من أصل فرنسى ، وبأيدى مشاهير الفنانين فى فرنسا وأوروبا.
فكيف حال كل هذه الثروات فى مصر؟
إنها تعيش فى أقسى الظروف بؤسا وتعاسة ، مهانة جريحة مهجورة مسروقة منهوبة مسجونة مشردة بين الأطلال فى مبان مظلمة ومدمرة (متحف الجزيرة مثالا) ، ومن ثم فهى تعانى الوحدة والحرمان من زيارة المواطنين والاجانب على السواء ، فقد يمر اليوم على اى متحف من بينها والزوار لا أحد ، (قد تلاحظون أننى اصفها وكأنها كائنات حية تحس ، وليست مجرد جمادات ، وهى كذلك فعلا بالنسبة لى) ، ويوم سرقت لوحة فان جوخ من متحف محمود خليل كان عدد الزوار حوالى عشرة أشخاص ، وهو رقم كبير بالنسبة لمتاحف أخرى ، فيما كان ثمن لوحة فان جوخ يقدر فى البورصات العالمية آنذاك ب ٨٠ مليون دولار ، ومن بين مقتنيات المتحف اليوم لوحة لجوجان مقدرة بمبلغ ١٥٠ مليون دولار.
أترون حجم الجريمةضد الحضارة التى نرتكبها فى حق أنفسنا قبل أن تكون فى حق هذا التراث ؟!..لكن ما أكثر ما ارتكبناه فى حقها قبل وبعد التسعينيات حتى الآن !..ومن عاش عام ١٩٩٠ يذكر بلا شك الحملة المنظمة شبه الرسمية التى أطلقت بالصحافة ، وكان من الواضح أن وراءها جهة حكومية ما ، لجأت إليها كبالون اختبار قبل الإعلان الرسمى عن تنظيم مزاد دولى لبيع جميع الأعمال الفنية ذات الأصل الأوروبى ، وقدرت عائداته آنذاك بثلاثين مليار دولار ، قيل إنها ستستخدم لتسديد ديون مصر الخارجية ، ولولا صحوة المثقفين فى يوم تاريخى مشهود لَعُقِد المزاد ولخرج هذا الإرث من البلاد. لم أكن أنا مجرد شاهد على ذلك الحدث ، بل كنت فى قلبه فاعلا وفى القيادة لحملة الدفاع عنه وتنظيم كتيبة المقاومة لعقد المزاد..ورأيت كيف تسابق المثقفون الى المسرح الصغير بدار الأوبرا حتى امتلأ عن آخره ، ومن لم تسمح له الظروف من كبار الأدباء والفنانين والمفكرين من أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت عكاشة وزكى نجيب محمود ويوسف إدريس ولطفى الخولى ولويس عوض وسعد الدين وهبة بالحضور أرسل ، رأيه مخطوطا أو مسجلا على شريط صوتى ، وبدا رد الفعل كزلزال هز أعمدة وزارة الثقافة ، حتى أن الوزير فاروق حسنى اضطر الى الإعلان من خلال نشرة الثامنة والنصف بإذاعة القاهرة مساء يوم المؤتمر عدم صحة ما يقال عن نية الدولة بيع تراث مصر التشكيلى ، قالها بعد أسابيع من الصمت إزاء الحملة الترويجية الهائلة بمجلة صباح الخير وغيرها من الصحف القومية.
وآتت ثورة المثقفين أُكُلَها ، فقامت الدولة بتلبية بعض مطالبهم ، إذ خصصت الميزانيات المطلوبة لإنقاذ محتويات المتاحف من الإهمال والقوارض والأتربة والرطوبة ، وكسبنا من وراء ذلك إصلاح وصيانة متحف محمد محمود خليل ، والشروع فى إعادة بناء متحف الجزيرة الذى سبق هدمه ، فتم تجهيز المخازن الملائمة لحفظ مقتنياته (الأربعة آلاف) ، لكن قوة الدفع سرعان ما خمدت (كعادة المصريين) ،وخيمت خيوط العنكبوت البيروقراطية على كل شىء ، حتى سُرِقت لوحة الخشخاش لفان جوخ ، وظلت السقالات مصلوبة والعمل متوقفا فى مبنى متحف الجزيرة حتى بدا كبيت للأشباح طوال ٣٠ عاما الى الآن ، ثم أغلق متحف الفن الحديث بساحة الأوبرا لمدة عشر سنوات متصلة ، كما أغلق متحف محمود خليل بعد حادث السرقة ، وإن تعددت الأسباب والموت واحدُُ !
وزاد الطين بِلة بعد ثورتى ٥ ٢ يناير و٣٠ يونية سوء الإدارة وشيوع الفوضى، وتفاقم الفساد وتزايد السرقات ، نتيجة تولية من لا يستحق ومن لا يفهم أمور الفنون التشكيلية والمتاحف ، وكان ذلك إيذانا بالقضاء على أى أمل فى الإصلاح.
كان هذا مصير الثروة المهدرة والقوة العظمى الناعمة التى لا تملك مصر ما تفخر به غيرها وهى الفنون ، وأثبتت وزارة الثقافة بكل الأدلة (كما قلت فى مقالى السابق) أنها غير قادرة بل غير جديرةبإدارة هذا الملف مهما أعطيت من فرص ومهما استخدمت من مسكنات ، لذلك فلا بديل عن أن يخرج الملف من حوزتها إلى هيئة قومية مستقلة تتبع رئاسة الجمهورية ، لتنضم إلى قافلة المشروعات الاستثمارية العملاقة ، كى تكون لائقة بالجمهورية الجديدة ، وذلك حين يقوم المشروع على قوائم استراتيجية علمية تراعى الأبعاد الثقافية والتربوية والاقتصادية وبناء الإنسان ، شأنها شأن التعليم ، إن هذه الهيئة كفيلة ، لو أحسن التخطيط لها وإدارتهابطواقم جديدة شابة ومدربة على أحدث علوم المتاحف والصناعات الثقافية، مع الاستعانةبخبرات أجنبية ، بأن تدر عائدا ماديا ضخما عند ازدياد معدلات السياحة والصناعات الثقافية التى تعرض فى طريق زوار المتاحف ، من نماذج ومستنسخات للوحات ومن كتب فنية ، ومن أفلام وفيديوهات ، ومن تنظيم زيارات مدرسية تتحمل رسوم الدخول فيها اوزارة التعليم والجامعات لأفواج الطلبة بكافة مراحل التعليم، ومن عقد اتفاقيات للتعاون مع متاحف عالمية وأفواج سياحية ، ومن استضافة تلك المتاحف الأجنبية لبعض مقتنيات متاحفنا نظير مقابل مادى أسوة بالمعارض الأثرية، وثمة الكثير غير ذلك يمكن أن يمثل موارد مالية محترمة تغطى تمويل الطفرة الإصلاحية للمتاحف الراهنة ، خاصة إذا ضُم إليها متحف قصر عابدين ومتحف المجوهرات وغيرهما من قصور الأسرة العلوية خاصة الموجودة بالإسكندرية.
إن الصناعات الثقافية، ومن بينها المتاحف ، تعد اليوم من أهم مصادر الدخل القومى فى العالم ، بشروط الإدارة المدنية الحديثة ، وأول الشروط أن يكون لكل متحف مجلس أمناء من النقاد وخبراء التنمية الثقافية ، ومن ممثلى الجمعيات الفنية الأهلية ، ومن رجال الاستثمار والأعمال المهتمين بمجال الفن ، لضمان التحرر من البيروقراطية وهيمنة حكم الفرد.
فهل أكون بهذا المشروع حالما يقفز فوق ظروف الواقع الى حد استحالة تحقيقه ؟..أما الحلم فأهلا به ، لأننا لا نعيش بغير حلم ، وأما الاستحالة فلا ، طالما وجد الحلم من يؤمن به ويناضل من أجله ولو طال الزمن.
كل التفاعلات:

Amal Ahmed Mostafa، وAbd Elmoein Saleh و٧٤ شخصًا آخر

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »