عز الدين نجيب
فيس بوك 7 اكتوبر 2022
فى مقالى السابق عن متحف الفنان نبيل درويش بطريق المريوطية الذى نشرته بعد ظهور بوادر تنبئ بتعرضه للهدم فى إطار خطط بناء الكبارى والمحاور الجارى الإعداد لها بالمنطقة ، حذرت من تعرض عدة متاحف لفنانين آخرين بنفس الطريق لمخاطر من نوع آخر ، وأشرت تحديدا الى متحف الفنانة الراحلة د. عايدة عبد الكريم (١٩٢٦ – ٢٠١٥)،رائدة النحاتات فى مصر ، مع زوجها الفنان زكريا الخنانى رائد النحت الزجاجى الراحل.
التهديد الذى يتعرض له متحفهما يأتى من نفس الجهة الحكومية المنوط بها الحفاظ عليه ورعايته بعد تسلمه منذ ١٥ عاما بمبناه وأثاثه وكافة مقتنياته الفنية ومعداته وأفران حريق الخزف والزجاج ، كهبة من صاحبيه الراحلين إلى وزارة الثقافة (قطاع الفنون التشكيلية) كى يديره ويرعى تراثهما مثله مثل كافة المتاحف الفنية التابعة له ، وكان ذلك لهدفين رئيسيين : الأول هو إتاحة زيارته بالمجان للجمهور من أجل ان يشع رسالته الجمالية والحضارية بين أبناء الشعب ، والثانى هو ان يكون مركز دعم فنى للدارسين لفنون الخزف والنحت الزجاجى يمارسون فيه تجاربهم مستفيدين بالامكانات الاحترافية المتوفرة به ، مسترشدين بخبرات وإنجازات الأستاذين الرائدين، مع احتفاظهم لأنفسهم بنتائج عملهم، دون أن يكون للقطاع حق فيها .
فلننظر إلى ما آل إليه حال المتحف الآن بعد سبع سنوات من رحيل الفنانة عايدة..
* انخفض عدد زوار المتحف حتى اقتصروا على بعض الدارسين ، نتيجة لعدم قيام قطاع الفنون بأية دعاية أو دعوة الجمهور وطلبة الكليات الفنية والجامعات والمدارس مع فرض رسوم دخول للزيارة ، فتحول المتحف إلى مجرد إدارة بيروقراطية (مدير وأمناء متاحف وكبير أمناء وكم من الموظفين الإداريين) ، وهم لا يملكون سلطة اتخاذ أى إجراء لصالح العمل ، إلا مرورا بدورة بيروقراطية طويلة بالقطاع الذى لا يهتم بالتطوير قدر اهتمامه بالتحصيل!
* والتحصيل لا يقف عند حد رسوم الزيارة حتى للطلبة والدارسين ، بل تُفرَض رسوم باهظة على الباحثين لاستخدام أفران الحريق (١٥٠٠جنيه للزجاج للحرقة الواحدة) بالمخالفة لشروط الهبة بإتاحة الأفران بالمجان للدارسين والباحثين.
* لم يكتف قادة القطاع بهذه المخالفة ، لكنهم يحتجزون قطعة من ناتج عمل كل باحث، رغم تحمل الباحثين تكاليف خاماتها والسهر على إنجازها ، وقاموا بإضافتها كعهدة مخزنية بالمتحف ، ضاربين عرض الحائط باعتراضات أصحابها وشعورهم بالقهر والظلم لأنهم يدفعون ثمنها مرتين!
* بلغت المخالفات ذروتها بتدخل مسؤولى القطاع بالتغيير المتعمد فى تراث الفنانة عايدة ، ما أدى إلى مسخ عمل أنجزته قبل وفاتها، وتشويه ما قصدته من ورائه ،وهو تمثال شجرة الشهداء ، الذى أقامته تخليدا لذكرى شهداء ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ، حيث مثلت فيه مصر بشجرة تطرح الشهداء بدلا من الثمار كأيقونات تحمل أسماءهم مرصعةبالبللور فوق أعلام مصر ، ما يجعل منها نصبا تذكاريا للشهداء ، فقاموا بنزع الأيقونات التى تحمل الأسماء، ووضعوا مكانها أشكالا زجاجيةغريبة بلا معنى ، مدلاة من فروع الشجرة وكانها إعلانات عن بعض السلع التجارية…هكذا اغتالوا فكرة الفنانة ومعناها مع سبق الإصرار
، وهو المعنى الذى رسخ فى أذهان تلاميذها ممن عاصروا إنتاجه ، وفى أذهان زائرى معرضها الذى عُرض به التمثال قبل وفاتها، ودون حتى أن يستأذنوا أخت الدكتورة عايدة وهى الفنانه منى عبد الكريم ، أو حتى رأي أمناء المتحف الذين ظلوا سنوات طوال يشرحون للزائرين مغزى النصب التذكارى للشهداء ، بينما هو اساسا عمل مفاهيمى يقوم على فكرة وطنية ، وينعدم مبرر وجوده باختفائها ، فإذا به وقد انتزع منه أصل وجوده وهم الشهداء!
هل يمكن لمثل هذا التدخل ان يحدث فى حق فنان ويمر مرور الكرام إلا بضوء أخضر من جهة ما تنكر سقوط شهداء فى ثورة ٢٥ يناير ، بل ربما تنكر قيام الثورة أصلا ؟!
بالأمس كنا نستغيث لنجدة متحف فنان مهدد بزحف البلدوزر ليهدمه ، واليوم نستغيث لنجدة متحف عايدة عبد الكريم وزوجها..ممن؟..من القطاع الذى أوكِل إليه الحفاظ على تراثهما فشوهوه وأفرغوه من أيقوناته الوطنية للشهداء ، وجعلوا منه بابا للاستغلال رغم انف شروط الوصية، بدلا من أن يقوم بدعم شباب الفنانين والباحثين.
إذا كان لخيانة الأمانة دليل فماذا يكون أكثر من هذا؟
أيها الخجل..أين حمرتك؟
ولشدة ذهولى لما يحدث تساءلت؛ أيكون لوزارة الثقافة قانون أخلاقى آخر غير قانون الدولة المصرية؟..وكدت أتوجه بهذا السؤال الى وزيرة الثقافة الحالية نيفين الكيلانى، لكنى تراجعت على الفور ، عندماتذكرت اننى سبق ان استنجدت بالوزيرة السابقة إيناس عبد الدايم عندما فجٌَرتُ جريمة اختفاء ٧١ لوحة من اعمال الفنانة إنجى أفلاطون من داخل متحف الفن الحديث بالأوبرا وهى أمانة فى عهدته، ولم يُجازَى فيها حتى عامل نظافة ، وسلمتُها المستندات الرسميةالتى تثبت الجريمة فى يدها ، مع كم هائل من المستندات لكوارث أخرى يشيب لها الولدان ، فلم تهتز فى رأسها شعرة.
هكذا انهارت الثقة فى حراس التراث وفيمن بيدهم السلطة والقرار ، فإلى من نلجأ وقد أصبحت رموزنا الوطنيةمنتهكة ورموزنا الفنية تحت رحمة البلدوزرات؟





+2
كل التفاعلات:
٧٣Samir Fouad Ibrahim، وAiman Abozaid و٧١ شخصًا آخر