فيس بوك 5 مارس 2023
(كتبت هذا المقال منذ أكثر من عام عن معرض الفنان أسامة ناشد، وقمت اليوم بتنقيحه والإضافة إليه فى ضوء معرضه المقام حاليا بقاعة صلاح طاهر بالأوبرا.)
كنت دائما أراه من المتقشفين الزهاد، ليس فقط لاختياره الرسم بالحبر الأسود وحده مستخدما سنون قلم الرابيدوجراف، بل كذلك لزهده فى المزاحمة من أجل اصطياد الجوائز أو جنى المال والشهرة ، فيما تمتلك رسومه المستلهمة من الطبيعة والبيئة ثراء فنيا هائلا يشع بالنور من بين سيقان النخيل وخوص الجريد فوق سيقانها السامقة، ومن بين قلوع المراكب وصواريها وقواربها وشباك الصيادين، ومن خلف النوافذ فى البيوت الريفية المتواضعة لكنها مشبعة بالإنسانية والقناعة، وقبل هذا وذاك يشع بالنور من بين تهشيرات خطوطه النحيلة نافذا من خلال مناطق الظلال فيها، صانعا زغللة بصرية تجتذبك للاقتراب من اللوحة وتأمٌُل دقائقها، وكأنك تبحث عن شىء آخر يكمن بداخلها قد لا يدركه البصر إنما تدركه البصيرة.
تبهرنى دائما هذه الحالة النورانية فى لوحاته الزاهدة فى الألوان، والتى تتجلى أكثر فى أعالى سيقان النخيل، بما تعكسه من رمزية السمو والتعالى على الصغائر، وما تحمله من العطاء السخى من ثمارها فى مواقيتها السنوية المعلومة بلا تأخير، حتى ولو أدركتها الشيخوخة وامتد بها العمر وتوارثتها الأجيال، بل حتى لو لم تجد من يرويها فإنها تضرب بجذورها فى باطن الأرض تمتص زادها من مياهها الجوفية، وأحيانا يمتد عمرها أطول من عمر البشر والبيوت حتى يزحف عليها بناء الدار على مر الأجيال ويحيط بها ويحتويها بداخله حتى تبدو وكأنها تنبثق وتعلو من سقفه المصنوع من لحمها ، أعنى من أفلاق النخيل وجريده ، فتصبح جزءا عضويا من الدار أو فردا من أفرادها المعمرين وحارسة لها وشاهدة عليها، ومع كرٌِ السنين تترسخ بينها وبين أهل الدار علاقة إنسانية أبدية ومصيرية ، لهذا تدخل فى معانى ومفردات مواويل الحنين إلى الديار، وأذكر من هذه المواويل أبياتا تقول:
يا جريد النخل العالى العالى العالى
طاطى ورد السلام
سلم لى ع الحبايب ع الحبايب
يا غايب لك زمان
وفى جميع موضوعات أسامة تشعر بالسلام والفطرة والحميمية الإنسانية حتى ولو لم يرسم فيها بشرا ، سواء كان الرسم بيتا أو قاربا أو شجرة كثيفة الأوراق والأغصان والظلال، فجميعها تبحث عن التلاقى والتلاحم والمؤانسة وإن كانت جمادا أو نباتا، ذلك أنها فى لوحاته “تتأنسن” وتكتسب محبة وحنانا، لكنها مشاعر لا تدركها العين المتعجلة المكتفية بالشكل الخارجى، إنما تستقبلها عيون القلب العارفة والمستجيبة لهمس الديار والكائنات.
هذه الشفافية تتجلى بأعلى معانيها لدى مشاهدتك لكثافة خوص الجريد وهو يتماوج فى الأعالى كمراوح الهواء المتذبذبة فى حركة ترددية متعاكسة، فيتذبذب معها بصيص النور من بين ثغراتها المهتزة على خلفية السماء الوضاءة، فتخلق إشعاعات من الوميض النورانى الغامض مجهول المصدر، تخاله آتيا من أشعة شمس لا مرئية، أو كأنها رسمت بنور مذاب لا بحبر أسود، كما تتجلى هذه الشفافية فى أكَمات الشجر بأوراقها المتكاثفة طبقة فوق أخرى، فتخالها كخيوط الدنتللا بالغة الرقة والرهافة وكأنها رسمت بخيوط الحرير فى شبكية تشف عما وراءها.
وقد يختلف الأمر فى رسوم البيوت الطينية ذات الطابع الهندسى الجاثم بكتلِه الصماء وخطوطه المستقيمة الصارمة، لكن النقوش والتفريغات الزخرفية وسلاسل الزجزاج بالمثلثات المتعاكسة عند سقوفها، وأبراج الحمام المخروطية المتطاولة إذ تتعالى
فوق الأسقف وقد اصطفت عليها – بنظام – طاقات دائرية سوداء كمئات العيون المحدقة، لكنها تمنح الشعور بالرقة والعذوبة الإيقاعية لهذه المبانى الطينية، وتنقلها من شكلها الواقعى إلى محيط الحلم والأسطورة، وكأنهاحصون عتيقة تضرب فى عمق الزمن، وتضمر ذكريات حياة لم تعد موجودة، لكنك تستشعر أنفاس من كانوا يتحصنون بداخلها، والحمائم التى كانت تعمٌِر أبراجها وكيف هاجرت إلى المجهول.
ويمكننا إسقاط هذا التأويل ذاته على القوارب الساكنة وقلاعها المطوية وهى ترسو غافية فرادى أو جماعات على شاطئ النهر، ففى سكونها وغفوتها رهبة وغموض يشِيان بذكريات الصيد والإبحار، أو برحلات المسافرين والعابرين أو نزهات العشاق على متنها، فيما هى تتمايل بهم فوق صفحة النهر الوادع، أو ما شاء لك خيالك كمُشاهد أن تستدعيه من ذكرياتك مشمولا بالحنين.
هكذا يستعيد أسامة ناشد عبر العشرات من أعماله فى معرضه الاستعادى أطيافا من طفولته بالقرية التى نشأ فيها بمديرية التحرير، وغيرها من القرى والواحات التى طاف بها واستلهم معالمها، مستخدما خطوط الرابيدوجراف المرهفة أو أشعة الشمس، تاركا بين خيوط نسيجها ومضات تتلألأ كالماس من بصيص النور، وهو فى نفس الوقت يعيد الاعتبار إلى “الرسم” كفن مستقل قائم بذاته، بعد أن هجره الفنانون إلا قليلا، وكاد يُنظَر إليه نظرة دونية.

