مصطفى رحمة.. ونساؤه الغرائبيات

 

فيس بوك 18 ديسمبر 2022

حاول الفنانون والأدباء دائما حل شفرة الشخصية الملغزة للمرأة ، ولم يتفقوا على معنى معين ، لأن نساء العالم لسن كتالوجا موحدا ، ما أن تعرف لغته حتى تفض أسراره ، فتصبح كل امرأة نسخة مكررة من بنات جنسها ، والحقيقة ان كل امرأة دنيا غامضة ذات حظوظ متفرقة من شتى الصفات والتناقضات ؛ من السحر إلى الخداع ، ومن الأثَرَة إلى الإيثار ، ومن الغواية إلى الإلهام ، ومن الغيرة إلى الحنان ، ومن جنون العشق إلى لدد الانتقام ، ومن هوس الزينة إلى هوس الاستعراض ، ومن رجاحة العقل إلى قلة التقدير ، ومن سعة الخيال إلى ضيق الأفق ، ومن التعمير إلى التدمير…!!!
غير أن الرابط التعبيرى المشترك بشأنها بين الفنانين هو الجمال ، ومهما تعددت صفاته فسيظل جمالها حاضرا وأثيرا لدى الفنانين والشعراء والكُتٌَاب ، وستظل حافزا للشغف والاحتفال بالحياة.
استحوزت المرأة استحوازا حصريا على عالم الفنان المصور مصطفى رحمة ، منذ قدم نفسه للجمهور قبل سنولت قليلة بعد اغتراب عن مصر استمر ٤٠ عاما للعمل فى دول الخليج رساما للأطفال وصحفيا وغير ذلك ، ويقام حاليا معرضه الجديد بقاعة بيكاسو بالزمالك بعنوان “فنتازيا” ، ونساؤه تعكسن مختلف تجليات المرأة : طفولية ومسيطرة ، كسيرة وطاغية ، عابثة وحالمة ، حانية ولاهية ، كيٌَادة وعاشقة ، وليفة للهداهد والبلابل ، قابضة على تفاحة آدم بيد وباليد الأخرى تحمل رأس يوحنا المعمدان المقطوعة ، فتجمع بذلك بين شخصيتَىْ حواء و سالومى التى باعت رأس الرسول ، وفى لوحة نراها تمتطى صهوة عنزة ، وفى أخرى تطير بجناحى ملاك ، وبأسفل اللوحة تروٌِض ثورا هائجا ، وفى سواها تبدو بدينة عارية وهى تحتضن حمامة وديعة ، وكثيرا مانجدها مهيمنة بقوة على كل فراغ اللوحة ، ونرى “العُتُلٌ” الذٌَكَر فى ركن بأسفل اللوحة متضائلا لا تشفع له عندها قوة عضلاته ، وتحت قدميه ديك البرابر وقد فقد فحولته بعد أن فقدها صاحبه الذَكَر الأكبر ، ونراها فى لوحة أخرى تعتلى ظهره وبين أصابعها سيجارة وقد قامت بترويضه مثلما روٌَضت الثور ، بينما ينزوى الديك الأحمر تحت قدميها ، وفى لوحة تالية تعطى ظهرها لضابط “عايق” وتلحظه بطرف عينها فى خُبث أو دلال أو عدم اقتناع ، فيما تبدو قرينتها البدينة فى لوحة تالية طائرة فى الهواء كمِرسال الغرام وفى يدها رسالة سوداء !!!..وفى لوحة تاليةتمتطى المرأة عنق العاشق الممتثل لوزنها وهى ممسكة بإحدى يديها طائرا تهم بتقبيله ، وفى الثانيةطائر آخر ينتظر قُبلته ، و”صاحبنا” الذى يحملهافخور بظنه أنه المقصود بالقبلات التى تدور فى أعلى ، وفى لوحةمختلفة تتراص مجموعة من النسوة العاريات تستعرضن أجسادهن البدينة وكأنهن فى مزاد للجنس أو النخاسة !
ونلاحظ شغف الفنان بسرد قصة وراء كل لوحة ، تاركا لخيال المشاهد استكمال خيوطها ، وهى جميعا تنويعات على لحن أساسى يعلن تفوق المرأة واستعلاءها على الرجل وهو راض وسعيد ، وبهذا الرضا سيمنعنا (سيادته)من اتهام الفنان الذى رسمه بالتمييز العنصرى ضد الرجل!
ومع ذلك فليس هدفى التركيز على هذا المعنى أو إبداء الرأى فى فكر الفنان ، مقدرا اهتمامه بلغة الفن باعتبارها قضيته الأولى ، بمعنى أن الشغل الشاغل له كفنان هو امتلاك اسلوبه الخاص والتميز به وما يحققه للمشاهد من متعة بصرية ، (أو هكذا يعلن) ، بما يذكرنى بالفنان الفرنسى هنرى ماتيس فى نظريته التى يشبه اللوحة فيها بالكرسى الهزاز الذى يسترخى عليه الإنسان بعد يوم عمل شاق …فهل يمتلك “رحمة” هذا الأسلوب المتميز من دون انشغال بقضية ما؟ ..أم هو من الفنانين حاملى الرسائل الى الناس والى ماهو أبعد من قضية الأسلوب والمتعة الجمالية البحتة؟
عن السؤال الأول فالإجابة نعم ؛ فأسلوبه رشيق ومتأنق ومتميز بالدهشة والإثارة، ولديه قدرة علىالبناء والتكوين وإيجاد التوازن بين الكتل، وتحقيق التآلف اللونى والانسياب اللحنى ، وخلق المفارقة الساخرة بوحدة المتناقضات ،وبإضفاء المرح والمسرةعلى موقف قد يكون مدلوله عكس ذلك ، واستدعى هذا الاسلوب ان يمتلك الفنان القدرة على الإطاحة بمعايير الجمال التقليدية لجسد المرأة ، حتى يجعلنا نقبلها مفرطة السمنة بأجنحة كيوبيد ، وهنا يصبح لجمالها معنى مغاير للمعنى المعتاد ، صحيح أن “رحمة”ليس مكتشف هذا الأسلوب القائم على المفارقة والتغريب، خاصة فى استخدام المرأة البدينة نموذجا للجمال ، ففنانو أمريكا الجنوبية – وأشهرهم بوتيرو – شقوا هذا الطريق وقطعوا فيه أشواطا بعيدة ، لكن فناننا نجح فى أن يضيف إلى إنجاز بوتيرو لمسته الشخصية ونكهته الخاصة (ولا أقول المصرية) ، من أجل مزيد من التغريب، تأكيدا للتباعد بين شخصياته وبين المنطق الواقعى ، وقد ألخصها فى كلمات ثلاث هى (تثبيت ، تعتيم ، ترخيم) ، حيث جعل حركات شخصياته تبدو مثبتة (فيكس كادر) فى اوضاع جامدة وكأنهم فى لقطة تذكاريه امام الكاميرا تأتينا من الماضى البعيد ، كما حرص على ان يغرق عيون كل نسائه فى حفر معتمة وغامضة ، باستخدام الظل الأسود كالنظارة الشمسية التى تضفى الإحساس بما وراءها من أسرار ، أما الترخيم فهو نسبة إلى الرخام الذى اتخذ لونه الأبيض الناصع لأجساد أغلب شخصياته ، فيما عدا لوحة اتخذت الوجوه فيها لون الطلاء الخزفى الأزرق فبدت كأقنعه طقوسية ، وإلى جانب هذه الملامح الغرائبية الثلاثة يبرز ملمحان آخران هما الخط واللون.
فالخط قائم على الأقواس والمنحنيات ذات التأثير العاطفى لإبراز التكورات التشريحية وتوطيد البناء والمجسمات بالتحكم فى سُمكه ونحافته ، وخلق إيقاع نغمى ينساب برهافة ، وتأكيد المفارقات البصرية بين الأسود والأبيض ، مثلما يتجلى فى رسم العيون مائلة مسحوبة كعيون الساحرات ، ونرى أثره فى تفاصيل الوجوه والأجسام بنوع من المبالغة الكاريكاتيريه أو البهلوانية ، فساعدت تلك المبالغات على إبعاد عالم صاحبه عن المألوف.
وبنفس القدر من التباعد عن عالم الواقع يشكل اللون ضرورة تعبيرية وجمالية لا تخطئها العين ، من ذلك تفضيل الفنان استخدام اللون الرخامى على أجساد النسوة – كما ذكرنا – بعيدا عن لون اللحم الآدمى ، فصنع عنصر المفارقة من أول وهلة مع الواقع ، ونقلنا من عالمه إلى عالم الفنتازيا ، وضاعف من قوة المقابلة البصريةبين الأبيض وبين الألوان القوية فى الملابس مثل الأحمر والأخضر والأصفر والبنى والأزرق بدرجات متفاوتة..
ورغم ما ذكرناه سابقا من تركيز الفنان على قضية الاسلوب والشكل الجمالى ، فيمكننا أن نستشف بين أعماله ملامح من مدارس شتى مثل التعبيريةوالسريالية والميتافيزيقية ، وتعلو النبرة فى بعضها إلى حد التصادم مع المواضعات المجتمعية من خلال المفارقة الساخرة، وقد تصل السريالية عنده حد الهزل والعبث كما أشرنا فى بعض اللوحات .
والمردود الجمالى على عين المشاهد وحده – مهما علا مستواه فى اللوحة – لا يكفى للحلول محل الدلالات المستقرة فى الوجدان على معانى معينة ، مثل البراءة أوالبرودة الشمعية أو الثلجية بالنسبة للأبيض الرخامى عندما يرتبط بلون بشرة المراة ، وكذا لا يستطيع المشاهد أن يسقط من حسابه الدلالات المعنوية لسلوكياتها المذكورة فى المواقف الغرائبية ، خاصة فى علاقتها بالرجل ، فضلا عن قدرة الألوان على الإيحاء بخصوصية واقعنا المصرى من حيث الدفء وعبق الزمن على سبيل المثال ، مما يعد أحد العناصر الهامة فى تحقيق “لوحة مصرية” لا يتشابه طابعها مع لوحة أجنبية ، ولا أعرف فى الحقيقة مدىاهتمام الفنان بهذه المسالة خلال بحثه عن تميز الأسلوب من حيث المبدأ ، مما يدعونى فى النهاية لأن اسأله : هل لو أقيم هذا المعرض فى السويد مثلا سيتعرف الجمهور منه على هويتك المصرية؟..أم أن ذلك لا يمثل فرقا بالنسبة لك؟
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »