“باوهاوس” المصرية !

فيس بوك 26 أبريل 2023

 

لن أحدثكم عن جماعة او مدرسة باوهاوس الألمانية (١٩١٧-١٩٣٣) التى تمزج الفن بالحرفة، وتجعل الجمال جزءا من الحياة اليومية يدخل فى تصميم كل ما يخدم حياة الإنسان من أدوات الحياة ومنافعها كالملبس والمسكن والزى ادوات الزينة والطعام والمعيشة…لأن المقالة المرفقةالمترجمة التى تفضل بنقلها الفنان وليد نايف تغنينا عن أى إضافة، حتى بعد أن تعرضت للإغلاق على يد الحكم النازى فى ألمانيا عام ١٩٣٣ وتفرق شملها بين الدول الأوروبية وأمريكا ، لكنى سأحدثكم عن مؤسسة مصرية نظيرة لها أسستها وزارة الثقافة أوائل الستينيات تحمل نفس الهدف والرسالة، بما يجعلها جديرة باسم مدرسة فنية لا تقل أهمية عن باوهاوس الألمانية..وهى “مركز الفن والحياة”.
كان صاحب الفكرة والتوجه الفكرى هو الفنان والمفكر الرائد حامد سعيد، الذى كان أحد الدعائم المساعدة للدكتور ثروت عكاشة أول وزير للثقافة فى مصر منذ أواخر الخمسينيات، وذلك فى تأصيل أحد الأبعاد الاستراتيجية للعمل الثقافى فى الوزارة منذ نشأتها حتى نكوصها عن هذا التوجه مع خروج الوزير من الوزارة بعد وفاة الرئيس عبد الناصر ١٩٧٠ ، هذا التوجه يقوم على أساس أن مفهوم الثقافة بالنسبة للشعب هو كل ما يدخل فى حياة الإنسان من مكونات ثقافية وجمالية تترجم وتتعايش مع عاداته وتقاليده ومعتقداته وأغراضه المتصلة بالدنيا والآخرة، لتكون عاملا على إشباع الروح وتلبية المطالب الوجودية والمعنوية فى الحياة ، بنفس أهمية تلبية المطالب المادية والمعيشية، بما يلخص فى النهاية مقولة : الثقافة هى عمود بناء الإنسان ، فضلا عن أن رسالة الوزارة تتجاوز إشباع المطالب الثقافية للشرائح العليا والمثقفة من الشعب، لتحقيق معنى العدالة الثقافية للمجتمع بكافة طبقاته، على أن يكون التواصل الثقافى مع طبقات الشعب ذا بعدين ذهابا وإيابا، بمعنى عدم الاكتفاء بالانتقال الى هذه الطبقات من قمة المجتمع بثمار الإنتاج الثقافى للنهوض بثقافة الجماهير وترقية أذواقها بالفنون الرفيعة، بل يقابل هذا انتقال مكونات العمل الثقافى والفنون الشعبية من قاع المجتمع إلى قمته الثقافية، فى شكل إبداعات الفنون التعبيرية والموسيقيةوالأدبية والطرز الفنية لادوات معيشتها وعبادتها وزينتها وعاداتها الاجتماعية الممتدة فى التاريخ إلى عمق الحضارات المصرية العريقة ، مما يعكس ملامح الهوية متراكمة الطبقات للشعب، بحيث يعكف الباحثون ودارسو الفن وأصحاب المواهب على هذه الطرز والأنماط الفنية الشعبية لاستجلاء جوانبها الجمالية وتأصيلها فى إطار حديث يمكن أن يتعايش مع طبيعة العصر وإيقاعه التقدمى، إضافة إلى ما يمكن أن يحققه ذلك من انعكاس فنى فى أعمال الفنانين من الشرائح المتقدمة فى الفن، بحيث يحدث تفاعل متبادل بين فنون النخبة وفنون القاعدة الاجتماعية ، بما يعمل على إضفاء الطابع القومى على فننا الحديث.
هكذا انطلق مركز الفن والحياة ، متخذا من قصر المانسترلى التاريخى إسلامى الطراز فى حى الروضة بالمنيل مكانا لنشاطه، قبل ان ينتقل اواخر الثمانينيات إلى مقرة الحالى بمبنى سبيل أم عباس التاريخى أيضا بحى الخليفة، لتتولى رئاسته الفنانة د. ثناء عزالدين حتى أوائل القرن الحالى ، وتعددت أغراض العمل فى المركز بين بعث التراث والبحث التقنى لجمالياته، واستلهام الفنون والمأثورات الشعبية ، وعمل التصميمات بعدد لانهائي للأوانى الخزفية والزجاجية والنحاسية ، والأزياء والحلى وأدوات الزينةوالمعلٌَقات الجدارية المرسومة عبر لوحات النسيج والطباعة اليدوية المعتمدة على وحدات الزخارف الشعبية والتراثية من مختلف الحضارات، كان العاملون من خريجى وخريجات كليات الفنون المختلفة تحت توجيه وإشراف أساتذة من كبار الفنانين المعروفين بتبنى هذا الطابع الجمالى المرتبط بالتراث والروح الشعبية، يحققون الرؤية الاستراتيجية السابق ذكرها للفنون والعمل الثقافى، من أمثال الفنانين الكبار سعيد الصدر وخميس شحاتة ومحمود عفيفى وسعد كامل، الذين كانوا من تلاميذ الرائد حامد سعيد، باستثناء سعيد الصدر الذى كان رائدا من نفس جيل حامد سعيد.
وسرعان ما توسعت الرسالة وتطلبت إنشاء مراكز متخصصة اكثر فى كل من هذه الفنون ، فأنشىء ، إلى جانب مركز الفن والحياة ؛ مركز الحرف التقليدية بمبنى وكالة الغورى برئاسة الفنان محمود عفيفى ، ليضم فروع الخرط الخشبى للمشربية، والنقش على النحاس ، وفن الخيامية، وفن التطعيم بالصدف والعاج، وفن الزجاج المعشق بالجص ، وفن النحت الفطرى…الخ. وعملت هذه الأقسام بنظام المعلم شيخ الصنعة والصبية من سن ١٣ سنة ليتم تدريبهم بنفس الأسلوب التاريخى لهذه الحرف فى مصر ، ودلك لخلق أجيال جديدة تتواصل مع المهنة والتراث عبر التاريخ… وبالتوازى مع مركز وكالة الغورى أنشىء مركز الخزف (القديم) بحى الفسطاط برئاسة الفنان سعيد الصدر الذى تم تطويره فيما بعد معماريا ووظيفيا بشكل رائع تفخر به مصر، وتحول إلى نواة لإقامة مدينة متكاملة للحرف التقليدية قامت السيدة حرم الرئيس الراحل بافتتاح حجر الأساس لها انطلاقا من مركز الخزف ، لكن المشروع توقف بمجرد خروجى من الخدمة، وهناك أيضا دار النسجيات المرسمة بمبنى دار الركائب الملكية بحلوان قام برئاسة فى البداية مؤسسها الدكتور مراد غالب الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية، ثم تلاه الفنان سعد كامل المشهور بإبداعاته التى تستلهم الفون الشعبية، وذلك لتنفيذ لوحات الجوبلان أو التابسترى من أعمال كبار الفنانين، ومركز بحوث الفنون التراثية ببيت السنارى بحى السيدة زينب تولى رئاسته الفنان خميس شحاتة أشهر من أبدع المعلقات العربية بالرسومات الشعبية، قبل أن ينتهى به المطاف إلى وكالة السلطان محمود بشارع بور سعيد قرب ميدان السيدة زينب…ونلاحظ الحرص على اختيار مقار هذه المراكز بمبان أثرية ذات طرز معمارية تاريخية رائعة لتكون امتدادا للرسالة الفنية والحضارية لهذه المراكز.
وشاء القدر أن اتولى عام ١٩٩٢ مهمة رئاسة هذه المراكز – كمدير عام ثم رئيس إدارة مركزية – لمدة ثمان سنوات، ، عملت خلالها بقدر المستطاع على إحيائها من حالة شبه الموات التى وصلت إليها عبر أكثر من ربع قرن من الإهمال والتجريف ، بعد أن اندثرت الاستراتيجية الثقافية فى ظل الحكومات ونظم الحكم المتعاقبة، ولفظت مضمونها الأصلى الذى قامت من أجله، وتوقف إمدادها بعناصر جديدة من أجيال تالية من الفنانين والباحثين ، حتى أصبحت مبانى خاوية على عروشها من النشاط و أصبحت تشكوا العوز المقع فى الإمكانات والميزانيات الضرورية للعمل، وهكذا دبت منذ عام ١٩٩٢ انتفاضة ثورية فى جنبات هذه المراكز جميعا بفضل الدعم الذى وفره لى الفنان د. احمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية الذى كانت تتبعه هذه المراكز إداريا، لكن ما أن خرجت شخصيا من منصبى عام٢٠٠٠ حتى توقفت قوة الدفع فيها وتعطلت المشروعات التى كانت قيد التنفيذ فيها ، وتدهورت أحوالها إلى الحضيض من جديد ، لسبب بسيط، وهو ان هذه الصحوة التى قمت بها كانت بحافز شخصى نابع من ذاتى أنا ، خارج السياق البيروقراطى للوزارة الذى يفتقر إلى عمود الارتكاز الاستراتيجى القديم عند إنشائها فى الستينيات..وإلى الحلم بأى مشروع قومى.
بهذا فإن “باوهاوس المصرية” لم تكن بحاجة إلى تعليمات من الزعيم النازى هتلر للقضاء عليها كما فعل فى باوهاوس الألمانية، فإن البيروقراطية وغياب مسؤولية الدولة عن التنمية الثقافية – وفق رسالة حضارية – قد تكفلا بهذه المهمة..وكما نعرف فإن عملية البناء شاقة وطويلة، لكن عملية الهدم فى منتهى السهولة والسرعة، وهذا حالنا المحزن والمؤلم ..والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه!!!

 

 

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »