الحرف التقليدية اليدوية فى مصر لا تعكس فقط تجليات الإبداع الشعبى فى الماضى البعيد ، بل تعكس كذلك استمرارها بأيدى الحرفيين المهرة ، حيث لم ينقطع يوما فيض عطائهم ، ليحققوا لنا بأناملهم الذهبية المتعة والمنفعة فى نفس الوقت. والقاهرة الفاطمية تعد أكبر متحف مفتوح للحرف التقليدية ، لهذا شاخ الزمان وما أصابتها الشيخوخة ، ومن ورائها كافة مدن وقرى مصر ، حيث تحتفظ منتجاتها بروح الحضارة بحلقاتها المتتالية. لقد أحصى المؤرخ المصرى الشهير “ابن إياس” عدد الحرف اليدوية التى كانت مزدهرة فى مصر المحروسة – قبل احتلال العثمانيين لها عام ١٥١٧ م. – بخمسين حرفة “خَرُبَت” حين انتزع السلطان سليم الأول أربابها ونقلهم إلى اسطنبول لينشئوا هناك مثيلاتها بمصر ، واحتاجت المحروسة قرونا من الزمن لتسترد عافيتها الإبداعية على أيدى أجيال جديدة بعد اقتلاع شيوخ الصنعة منها.
ولا يزال أرباب الحرف يصارعون الزمن ومتغيراته والإهمال وتداعياته ، ليواصلوا مسيرتهم وعطاءهم ، ويتعايشوا مع حياة الشعب ، حتى وإن هجرهم أو تغيرت وظائفها النفعية فى الحياة اليومية مع متغيرات العصر ، لأنها من إفراز البيئة والمعتقدات والتقاليد التى تشكل هوية بلدنا.