أشرف الزمزمى

أشرف الزمزمى.. وهزيمة الوحدة

لعلنا نذكر التجربة الخصبة لهذا الفنان مع بواكير صالون الشباب أوائل التسعينيات، كان صوتا عفيا مختلفا عما كان سائدا ومحلا للتشجيع ومنح الجوائز من القائمين على الفن آنذاك ، متميزا بأسلوب حداثى خاص لايقلد اتجاها أو يتبع تيارا مغتربا أو متمسكا بالتراث أو محاكيا للطبيعة والواقع ،بل يتمتع بأسلوب طفولى الحس دافئ الفطرة بهيج الألوان، مشبعا بروح الشعر ومسجلا على اللوحة أبياتا منه أحيانا ، ثريا بغنائية إيقاعاته الخطية ، مبتعدا عن اللزمات الفلكلورية والزخرفية، متميزا بحسه الإنسانى المرهف داخل علاقات التكوين، بالرغم مما يحدثه من تحريفات مقصودة للنسب وقواعد التشريح والمنظور الهندسى للأماكن والأشخاص .

لكنه اختفى فجأة فى ظروف غامضة عن ساحة الفن إبداعا وعرضا لأعماله وتواجدا بشخصه أيضا ، وعرفنا فيما بعد أنه يمر بأزمة نفسية تفاقمت حتى أصبحت حالة مرضية حكمت عليه بالعزلة وأغرقته فى الوحدة والاكتئاب ، وسرعان ما نسيته الحركة الفنية فى جريها اللاهث بلا قلب وراء الجديد والمفيد ، حتى بادرت السيدة شرويت شافعي صاحبة قاعة سفرخان بالتواصل معه من خلال بعض أقاربه ،وتولت مهمة رعايته وعلاجه وتشجيعه على استئناف الرسم بعد طول انقطاع ، وخلال عدة سنوات -قبل ٢٠١٢- أخذ يستعيد لياقته الفنية ، بل أصبح الفن عاملا مهما فى شفائه ، وكانت النتيجة هذا الكم الغزير والمثير من اللوحات الزيتية التى تتدرج مساحاتها حتى يصل بعضها إلى جداريات هائلة .

لقد احتفظ أشرف بخصائص أسلوبه القديم ، مع مزيد من الطلاقة التعبيرية الأقرب إلى التكعيبية ، لكن بدون محاكاة لأساليب أى من روادها مثل بيكاسو وبارك، بل جاءت عبر إطلاق حر للفطرة البدائية التى قد تصل إلى االحوشية أحيانا ، ولمزيد من التقطيع العلوى للمساحات والألوان فوق الوجوه والخلفيات ، وبمزيد من الوعى واللاوعى بمنطقية العلاقة بين تلك المساحات، مستخدما عناصر من الألوان الاستوائية أو البرية ، موشأة بالزهور والفراشات أو بما يوحى بذلك.

ومع قوة هذه الطفرة الفنية الجياشة بالعاطفة،عبر خطوطه القوسية الحانية أو استقامتها الإنسانية ارتفاعا ونبلا، أو الموسيقية المناسبة فى رقة وعذوبة ، فإن كل ما يترسب فى نفس المشاهد بعد جولته فى المعرض هو شعور طاغ بالوحدة التى تحتوى والأشخاص وتبقيهم فى حالة أقرب إلى الغياب عن الواقع وهم فى قلب حركته ، وشعور آخر بقدرة الإبداع على هزيمة الوحدة . ان بطل لوحته يتواجد بين الآخرين بجسده لا بروحه ، وكثيرا ما يصور أشخاصا..كل منهم فى إطاره كبورتريه بأديم وجه ممزق إلى شرائح لونية متباينة بين الأخضر والأحمر والأزرق والأسود ، وكأنها انعكاس لما يعتمل فى نفس الشخص من تناقضات وصراعات ، وكانت صاحبة القاعة محقة عندما وضعت كلمة “الوحدة” عنوانا للمعرض ، لكنه فى الحقيقة عنوان على نجاح المبدع فى تجاوز محنته بإبداعه

وبعيدا عن التحليل النفسى للاعمال ، فإنها على المستوى الجمالى قطع فنية تتمتع بالانسجام والتناغم اللونى والأشعاع العاطفى والانسانى ، أنه باختصار فنان لا يشبه أحدا إلا نفسه.

إلى أى جهة نتوجه بالنداء كى تتولى رعاية هذا الفنان العبقرى؟..

فمع كل التقدير لقاعة سفر خان، فليس من المتوقع أن تواصل رعايتها له إلى ما لا نهاية ، الا بشرط احتكارها لأعماله.. كنت اتمنى ان تملك وزارة الثقافة قلبا انسانيا يتسع لمثل هذه المواهب المهددة بالضياع، ولكن .. هل من خير يرتجى من مثل أجهزتها الثقافية الراهنة ؟!

بئس أمة تغتال بالتجاهل والصمت مبدعيها!

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »