25 سبتمبر 2022
قد يشى معرض الفنان د. أيمن السمرى ، المقام حاليابقاعة بيكاسو بالزمالك، بتأثيرات من فنون ما بعد الحداثة ، بعيدا عن جانبها الانقلابى على مدارس الحداثة الغربية التى سيطرت على ثلثى القرن العشرين ، ذلك الجانب المتمرد على تسليع الفن وعلى طابع “المؤسسة” وفنون المتاحف والقاعات البورجوازية ، أو الطابع التهكمى على منجزات الحضارة الرقمية والرأسمالية المستغلة التى تسحق الإنسان ، بل اختار جانبها المتصالح مع البيئات الطبيعية والنزعات البدائية ، ذلك الجانب الذى يعود بحميمية إلى بساطة الفطرة الإنسانية ، لكن أيمن يضيف إليه شيئا يتناقض معه ؛ بإضفاء طابع الأناقة الصالونية على إطارات اللوحات والمبالغة فى الشياكة باستخدام الطلاء الذهبى ، ليس فى الإطارات الخارجية فحسب ، بل فى صميم بناء اللوحة ، تعبيرا – ربما – عن النفاسة والروحانية والديمومة معا.
وهذا الأسلوب ما بعد الحداثى (فيما عدا اللون الذهبى والأناقة الصالونية) ليس جديدا على أعمال أيمن السمرى ، بل ربما استمر يستخدمه منذ عدة عقود ، حتى أنه استخدم فى لوحاته الجداريةالضخمةطبقات طينية او شبيهة بالطين أو بجدران البيوت الريفية العتيقة ، او أخرى تساقط طلاؤها الجيرى عن ملاطها الأسمر ، وتكاد تشم فيها عبق الأرض وأنفاس البشر ، بعيدا عن الواقعية التشخيصية للإنسان ، ما جعله أقرب إلى التجريد ، فكأنه يوحى إليك – بدلا من تجسيد الواقع – باستنشاق نكهته ، ثم انتقل فى مرحلة لاحقة إلى استدعاء جسم الإنسان إلى لوحاته ، خاصة الفلاح المصرى ، محتفيا بعمله وارتباطه بالأرض والسماء ، امتدادا لتراثه الحضارى المديد ، حتى الوانه كانت حميمة لألوان الطبيعة المصرية التى لا تعرف التباين الحاد او الصخب اللونى ، بل تسودها الرماديات والدرجات البينية الهامسة للألوان ، وكأنها مكسوة بغلالة شفافة من الغبار.
اليوم نرى لوحاته أكثر نقاء ونورانية بلا غبار ، وأصبح أقرب إلى التجريد التأملى او الروحانى ، وقد أوغل – أكثر من ذى قبل – فى استخدام الملامس ذات العجائن السميكة ، موحيا بحفائرالآثار القديمة أو بالكتابة المسمارية فى الحضارة البابلية ، وكأنها تلميحات إلى نصوص مجهولة ، لكنها تصرٌِح أكثر من مرة بصور الإنسان والحيوان والبيت والنخلة و”العزوة” التى تمثلها مجاميع بشرية متراصة فى صفوف منتظمة ومتتابعة ، صانعا من خلالها نوعا من الإيقاع النغمى المتوازن أفقيا ورأسيا ، وقد نرى هذه المنظومات البشرية الصماء تتوسط أو تتحاور مع الأشكال الهندسية كالدائرة، مع الخطوط الغليظة لشبكة هندسية تتصدر اللوحة فتشعرك بانها حاجز ، حتى ولو كانت بلون ذهبى مشع فستظل بالفعل حاجزا نفسيا وبصريا بين المشاهد وبين عناصر اللوحة من ورائها ، حيث تظل منفصلة عنها دون تلاحم عضوى بين خطوطها السميكة الجافة وبين عناصر التكوين اللينة ، وفى رأيى انها تمثل عبئا بصريا ونفسيا على المشاهد وعلى اللوحة ، لعدم تجانسها عضويا مع بقية العناصر ذات الطابع الإنسانى والطبيعى ، رغم أن الفنان كان يرمز بها (حسب عنوان المعرض وهو الخيمة) إلى معنى الحماية والاحتواء.
وقد ظلت “بالتة” ألوان الفنان رقيقة هادئة تتماهى بين الرمادى والزيتونى الفاتح والأصفر الزاهى والأبيض ، واللونان الأخيران يعكسان ضوء الشمس الساطع ، وهى تقريبا نفس ألوانه المعهودة فى مراحله السابقة ، بعد ان ازدادت نقاء ووهجا ، لتتناسب مع رؤيته الجديدة المتأملة للحياة والوجود ، بامتدادها التاريخى فى الزمن والحضارة ، فتحسها تسرى فى روحك على مهل بانسيابية ناعمة. إضافة إلى بزوغ النور من قلب الحالة الضبابية ، وبزوغ المجاميع البشرية المتراصة فى تراكم يومئُ إلى مسيرة الزمان.
إن المعرض يبدو – ببهاء نورانيته وبإيماءاته التراثية – حالة من التأمل الوجودى ، قد تنحو نحو الإشراق الصوفى ، يمزج فيها أيمن السمرى بين بداوة الفطرة وطابع الحداثة وهمهمات النصوص والعلامات المندثرة فى مسيرة الإنسانية.
