“التكايا”..بين مراقى الروح، والطبيعة الصامتة

 

 

هذه فنانة تحلم بأن تحيل الصوت واللحن والقصيدة والرؤيا إلى لوحات وكأنها أطياف من قوس قزح ، وأن تجعل من “التكية” منطلقا إلى معراج الروح ورئة لإشراق القلب ، وأن تخلق من فوضى الوجود نظاما يدور فى فلك الكون والسماوات السبع .
إن هذا التشَوٌُف الروحى من أقدم نزعات الإنسان عبر تاريخه ، حتى من قبل نزول الأديان السماوية ، إنه وليد التأمل فى الكون ، وبه أدرك المصرى القديم ما وراء هذا الكون من معانى مجردة ، وأحالها إلى عقيدة وديانة ، ووضع من خلالها أسمى المبادئ والقيم الأخلاقية والفلسفية ، واستلهم فنان تلك الحضارة من العقيدة أعظم أعمال التصوير والنحت والعمارة ، وصاغ من أعتى الصخور ما يضمن خلودها ، وصور فوق جدران المقابر فى بطون الجبال صورا وأخيلة للحياة الأبدية مصحوبة بالتراتيل المقدسة ومسار الروح فى رحلتها الى العالم الآخر ، وأزاح الحواجز المعرفية التى تحول بين الإنسان وكل ما فى الكون من كائنات وأسرار …هكذا توحدت فى روح المتصوف المصرى – عبر البصيرة – كل هذه الكائنات حتى استحالت الحياة الدنيا نهرا ابديا يتصل بالسماء موازيا لنهر النيل فى الأرض ، لا يتوقف مجراه من منبعه إلى مصبه ، بل يمتد مساره إلى ما بعد الموت فى عالم الخلود ، يجنى فيه الإنسان ما صنعت يداه فى الدنيا من خير وعطاء ، أو يكفر عن ذنوبه.
ذلك فحوى الرسالة التى تريد أن توصلها إلينا الفنانة د. جيهان فايز أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة بالمنيا فى معرضها المقام بقاعة النيل بالزمالك تحت عنوان “تكايا”- أى جمع تكية – لتسترجع إشراقات الصوفية وتراتيل الذاكرين وتضرعات الدراويش الزهاد بحلقات الرقص المولوية ، فى التكايا التى بناها سلاطين الأتراك فى مصر ، مزودة بحجرات لتأويهم وترعاهم كأطفال الرحمن، فلا يطلبون منه بعد ذلك إلا مرضاته ونعمة الستر ، وأن يقبلهم فى ملكوته ، ولاشك أن السلطان العثمانى كانت له مآرب أخرى غير مرضاة الله من وراء تخصيص هذه التكايا لهم ، فليس أقوى من الدين سلاحا للمستعمر للسيطرة على شعب ما وضمان خضوعه ، ومع تنزيهنا لحكماء وشعراء “المولوية” من أمثال جلال الدين الرومى ومحيى الدين بن عربى عن أية أغراض شخصية من وراء الدعوه ، فقد يكون لبعض الأتباع أغراض دنيوية منها ، لكن طبيعة المصريين كانت فى جوهرها دائما مُحِبٌّة للتدين وذروته التصوف، الذى تطورت أنماط المنشآت لممارسته ؛ من المعبد إلى الدير إلى التكية ، لكن فكرة الاعتكاف للعبادة فيها جميعا واحدة ، وهى اختلاء المؤمن بنفسه مع خالقه والتوحد معه فى خُلوة قد يسميها دِروَة أو خليٌَة ، حتى يرتقى إلى منزلة العارف بالله ، تبعا لاختلاف الأديان والثقافات ، لكن طريق المعرفة الربانية دائما هو القلب ، حتى قبل أن تتنزل بها رسالات السماء.
وظلت فكرة “الماوراء”تتناسخ وتتوالد فى أشكال روحانية وإبداعية معاصرة ، تعكس شغف الروح الإنسانية بالارتقاء والتماهى مع الوجود المطلق والخلاص الأبدى ، تعبيرا عن حالة ميتافيزيقية ملازمة للإنسان فى كل زمان ومكان .
غير ان بعض علماء الاجتماع لا يرحبون بربط هذا الوَلَع الروحانى بكلمة “التكية” كملجأ للمولوية ، لأنها ترتبط بمعنى التواكل والتنَطٌُع بلا عمل للمريدين ، والانقطاع عن الكدح وعن تعمير الأرض ودفع الظلم وبناءالحياة وتقديم ما ينفع البلاد والعباد .
لكنى لا أتصور أن الفنانة جيهان فايز تدعو من خلال معرضها إلى عودة التكايا بهذا المفهوم ، بل أحسبها يعنى استعادة الروحانية والشفافية عبر الفن ، مثلما فكر الفنان كاندينسكى عندما قدِم إلى أوروبا الغربية من بلده روسيا فى شرق القارة حين كانت تدين بالكاثوليكية ، واطلق نظرية جديدة فى روحانية الفن ، ربطها بالتجريد والموسيقى خلال العقد الأول من القرن الماضى ، حتى صارت مدرسة فنية جديدة فى أوروبا ، التى كانت روحها قد ضاقت ذَرعا بالمادية الصناعية واستغلال الشعوب والحروب الاستعمارية ، ثم تبعه فنانو العالم الثالث ولحقت بهم مصر فى الخمسينيات ، وراحوا يقلدون مظاهر النظرية دون فحواها ، ولم ينتبهوا – باستثناءات معدودة أهمهم المفكر الصوفى حامد سعيد وأتباعه – إلى ان أصلها ضارب فى جذور ثقافتهم ، وأن الأولَى بهم أن يأخذوا من المنبع لا من المصب ، وكان مآل هذه المدرسة – بعد أكثر من قرن – إلى أسلوب شكلانى أجوف فارقته الروح أو فارقها ، فضلا عن خلوه من أى معنى أو هدف ، وتضاربت الرؤى حول معايير القيمة والإبداع فيه ، فى الوقت الذى يتجلى فى موروثنا الحضارى ما لا يحصىَ (تشكيليا) من عناصر التجريد ، التى كانت كفيلة بخلق نظرية أو تيار فنى ذى حس شرقى أو روحانى أصيل ، مع أن فنانى الغرب أخذوا منه الكثير ، مثل بول كلى وماتيس وفازاريللى.
لكن جيهان فايز اختارت اسلوبا غربيٌَا يجمع بين مدارس التعبيرية والتجريدية والتكعيبية ، ذلك لأنها احتفظت بمنابع الرؤية البصرية التى نشأت عليها أكاديميا ، وهى مكونة – بعد الأشخاص والوجوه – بأدوات مادة “الطبيعة الصامتة”من قطع أثاث وأقمشة وقوارير وزهريات وأوانٍ ومكعبات وفواكه ونباتات وورود…إلخ. وعملت على تحليلها فنيا وتجريدها من هيئاتها الطبيعيةوربطت بينها بخطوط سميكة تحدد خطوطها الخارجية وما بينها من مساحات لونية او فراغات صماء وتأثيرات ملمسية باستخدام أساليب التبسيط والاختزال والحذف والإزاحة ، مع الاستعانة بتأثير شُرَط أو سطور ظِلٌِية ملونة على خلفيات معتمة ، وقامت بتأطير الشخصيات التى تم تبسيطها إلى حد التجريد والتكعيب بخطوط بيضاء قوية ، فأحدثت تضادا بصريا شديدا.
فجرت الفنانة بهذا الأسلوب طاقة تعبيرية جياشة ، بالقبض على الشحنة الانفعاليةفى الوجوه والأجسام ، وعلى الحركة الديناميكية التشريحية للأسلوب التكعيبى ، وامتلاك العلاقات الإيقاعية الحرة للأسلوب التجريدى ، فخلقت توليفة حداثية فى السياق السأئد للأساليب العالمية.
فجاءت خطوطها المجردة قوية واثقة موجزةإلى حد الاختزال ، وجاءت الوانها صريحة ودافئة ومتجانسة يتسيدها الأحمر القرمزى ، ويتجاوب معها البرتقالى والأصفر والطوبى ، وجميعهم يتحاورون مع الأزرق والأخضر والبنفسجى والرمادى ، بينما يُفَرٌِق أو يُجَمٌِع بينهم الأبيض أو يزيد توهجهم، وتضم شتاتهم خيوط التكوين المحكمة حتى لو كانت لا مرئية. ونرى مساحاتها المفتوحة مشرٌَبة بدرجات بينيٌَة من شتى الألوان بما يشبه نشع الألوان المائية ، فتبدو مُموٌَهة مراوغة تتناثر فوقها نقاط ودوائر صغيرة ملونة ، تتكاثف ثم تتباعد كنقرات رشيقة منتظمة على آلة إيقاعية.
ومع كل ذلك لم تصل الفنانة إلى بلوغ الحالة الروحانية التى تبتغيها، فلم يرتق هذا الاسلوب المتوازن الى تحقيق المعانى “الماورائية” ، وهو الموضوع الذى صاغت رؤيتها للمعرض على أساسه واختزلته فى كلمة تقديم لمعرض “التكايا” ، فكتبت تقول:
” لم تكن التكايا مليئة برائحة الطعام فقط ، ولم تكن تهدف إلى إسكات البطون وإيواء الأجساد الباردة، بل كانت مليئةبالأحداث والأصوات والصور والروائح والأحاديث والرؤى، وعنوانا للتجليات الصوفية ، ومركزا لتطوير الفكر والموسيقى والشعر ، وكانت تعد إحدى مراحل الترقٌِى الروحى والعبادة الخالصة ، وإيقاعات الأجساد النحيلة ، المتمايلة على أصوات حفيف الأقدام وهمهمات العارفين وتضرعات الخائفين الآملين ، فالتكايا كالمرايا عكست على صفحاتها الكثير من فنون تاريخنا ، فكانت المأوى للعارفين والصالحين “.
فكأنها بهذا تهيئنا لاستقبال هذا العالم الذى يوحى بتجاوز “المادية”، بمعنى الانتقال من المحدود والجمادى والاستهلاكى إلى اللامحدود والروحانى والمطلق الذى تمثله التكية كصورة ذهنية لحالة إيمانية لا مادية تدور فى مدار روحانى.
فأين هذا كله من العناصر المادية الجامدة من مفردات (الطبيعة الصامتة) التى اشرنا إليها ، وهى تمثل بأحجامها الغليظة وخطوطها الجافة ثقلا جاثما على الحالة الروحانية ؟!. والمفترض ان تكون حالة انسيابية شفافة ، بحكم أنها تدور بين السماء والقلب ، فضلا عن ان الفنانة لم ترسم رقصات الدراويش أو مشاهد التكايا التاريخية التى تقام فيها حلقات الذكر وتطوحات الأجسام ، مكتفية برسم نماذج الطبيعة الصامتة من الأوانى والكراسى والأرائك والقوارير وبعض البورتريهات المعالجة بأسلوب تكعيبى وخطوط ناصعة تم فيها تحليل الوجوه والأجسام تحليلا تكعيبيا بإحالتها إلى شرائح منشورية حادة الزوايا.
إن الربط رمزيا غائب هنا بين الحالة الروحانية وبين أدوات الطبيعة الصامتة ، وهذه قد تستخدم فنيا كموضوع لذاته ، وبدلا من تخفيف أوزان عناصرها بالتداخل مع ما حولها ، فقد تم تأكيد خطوطها الخارجية بقوة، ما جعلها أكثر رسوخا وارتباطا بالأرض لا بالسماء.
قد يكون الاستثناء الوحيد من ذلك هو طابع الاستطالة الذى أضفته الفنانة على الوجوه والقوارير والزهريات ، ما أوحى بحالة من التسامى والتطلع لأعلى ، وهذا امر يحسب لها بلا شك ، لكنه يحسب اكثر فى صالح الرشاقة الجمالية ، ولا يكفى وحده ليقوم بمهمة تشييد وإطلاق حالة متكاملة من الصوفية الروحانية ، ومن التماهى الكونى لتكون تمثيلا لفكرة المعرض.
وربما كان الأنسب لتحقيق تلك الحالة الروحانية المنشودة هو أسلوب المزج والنشع والتداخل والانسياب الحر بين الألوان والأشكال والعناصر بغير تحديد خارجى ، وصولا إلى التحليق بها مع الخيال فى اللامحدود ، وقد أثبتت الفنانة مهارتها فى استخدامها ، لكنها عادت فاعتقلت عناصرها بالخطوط البيضاء. إن هذا الاسلوب التجسيدى لثبات واستقرار الجمادات والمحسوسات الغليظة يناسب لوحات الطبيعة الصامتة ، لأنه يتمحور حول جماليات اللغة البصرية ، وعلى الأكثر قد يضفى حالات تعبيرية أو جمالية خاصة من ورائه، كتلك الاستطالة التى أشرت إليها ، لكن ذلك وحده أقل من ان يحقق الهدف المطلوب.
وإذا كان الاتصال الروحى قد تعثر بين التقنيات الفنية الحديثة وبين موضوع التكايا وما به من طاقة روحانية، فإننا بالتأكيد فزنا بانتصار جمالى أحرزته تجربة الفنانة جيهان فايز ، إذ استطاعت بتقنياتها الجريئة الفوز فى تحديها لمهمة الدمج بين ثلاثةاتجاهات فنيةشديدة التباين بطبيعتها ، وهى التعبيرية والتكعيبية والتجريدية ، فيما أفلت من يدها موضوع التكايا الذى قد تختلف فيه الآراء أو تتفق ، كما أضافت إلى تجربتها التقنية مذاقا أنثويا رقيقا ، بالرسم الدقيق لوحدات من عناصر الطبيعة الصامتة من الزهور والفواكه والتوريقات النباتية ، تبدو أقرب إلى التطريز بخيوط الحرير الملونة ، فضلا عن رسومهاالتشريحية بأسلوب تكعيبى للوجوه ، مستخدمةخطوط اللون الأبيض ، فجمعت بين القوة والرقة والرهافة.
وأظن أن هذه المشكلة التعبيرية سوف تزول نهائيا لو ضحت الفنانة بعنوان “تكايا” وقامت بحذفه من المعرض ، لأنه لا محل له من الإعراب ، وحبذا لو وضعت مكانه العنوان المناسب (طبيعة صامتة) ، وبذلك تنقذ المعرض من تناقض فُرِض عليه تعسفيا .
لكن هذه – على أى حال – مسألة رؤيوية للفنانة وحدها ، ولا يملك الناقد أو أى شخص آخر حق تبديلها ، حسبه أن يُبدى رأيه بإخلاص ثم يمضى!
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »