البيت في الصحراء كائن حي برزخي يتنفس أحياناً ، ينمو البيت كالشجرة ، ويتمدد فيناً ، وأحياناً أخرى تترك جدران البيت تتفتح للخارج كزهرة تأخذ مداها في المكان
فعبر كل إنسان فينا ينفتح مكان ما فريد على العالم ، والمكان الأليف عند الفنان عز الدين نجيب هو تلك البيوت القديمة في إندثارها ، إنة الذكرى ، عطر الأحباب الذي يعطي الإحساس برائحة الحياة .
البيت عند عز الدين نجيب ليس منظراً طبيعياً ، وهو أكثر من الأركان والحوائط ،إنه المعادل للحالة النفسية للإنسان ، إن الكون الصغير الأول ، الوجود الحقيقي للذات حيث تتجسد فيه الحدود والمساحات التي تمنح الحماية لنا ، بل تتجسد فيه روح المغامرة الإنسانية ، هو المكان الذي مارسنا فيه أحلام اليقظة وتشكل فيه خيالنا ، إنه رمز المقاومة والتحدى ضد الفناء فهو الوطن الصغير الذاخر بالعاطفة والمشاعر.
إن البيت أو المكان الحميم هو واحد من أهم التيمات التعبيرية التي تتيح لنا أن ندمج الأفكار والذكريات والأحلام الإنسانية داخل الحيز الفني للمكان .
نحن هنا أمام حالة ذوبان وامتزاج برزخى بين الإنسان والمكان ،بين الحجر والبشر فبيت يمتلك هذه الدينامية يتيح للمصور الفنان أن يسكن في الكون ، أو يفتح نفسه للكون ليسكن فيه . إننا هنا أمام منطقة في التعبير تنفتح فيها الذكريات وتندمج بالخيال والفانتازيا ، كل منها يعمق الآخر ويتعالق به ، إن حساً أو حلما غير واقعي ، يتسرب إلى الذكريات فينا ، فكل شيء يحيا ويتنفس من جديد
لقد ذهب عز الدين نجيب إلى الواحات إلى البيوت القديمة ليقف على المكان الحميم الذي ينجذب نحوه المعنى وتسكنه الذكريات ، مكان قد عاش فيه بشر ، إنه يبحث في المكان عن القيمة الإنسانية التي يمكن الإمساك بها ، إن زرع وجود البيت كمكان تتعالق به القيم الإنسانية هو مجرد إستعارة بلاغية للتعبير عن قيم لا يمكن أن تذكر في كلمات ، إنها نوع من الدهشة التي تنبه وعينا وتمنعه من الخدر إنها محاولة لتجديد الحس الإنسانى .
تأمل لوحات عز الدين واقرأ هذه العلامات البصرية ، هذا الوجود الرمزي ، والتمثيل المجازي الذي نصفة فى العبارات الآتية ..
– أنظر إلى الوجوه على الحوائط ، وفوق الأبواب وهي تنبثق شاحبة من تحت الطلاء كأنها أرواح ساكني البيت ، كأنها أطياف الحوريات التي تسكن الأبيار في الصحراء .
– أنظر إلى نهاية الطريق هناك ، يظهر من بعيد رسم خافت يشع من وسط الظلمة لرجل معمم كأنه شبح من أشباح الجان في رويات الصحراء .
– أنظر وتأمل في الطرقات والحوائط والدروب الطويلة ، تلحظ أشخاص ووجوه من الظل تنعكس عليها ، هذا الوجود الغامض يحدث نشوة روحية ، فتتفتح فنيا ًالخيالات ويلتبس المنطق ، فيصاب الناس بالدوار .
عز الدين نجيب هنا ينشأ لنا حالة إنسانية ، عالم من الرحمة موازى ، إنه هنا يبني بيوتاً جديدة ودروباً جديدة ، ومن ثم ينقل هذا الوجود الممتزج من البشر والحجر إلينا بطزاجته .
إنه يرمم الذات الإنسانية . فالبيوت الحميمة التي ضاعت منا في ضباب الزمن داخل غابات الأسمنت بالمدن ، سوف تنبثق مرة أخرى من جوف الظل والنور ، فالبيوت الحميمة التي فقدناها إلى الأبد تظل حية داخلنا ، تلح علينا لتعاود الحياة كذكريات كحنين للماضى داخل لوحات عز الدين نجيب كجنائن فردوس مفقود .
د . رضا شحاتة أبوالمجد .