الرقص..بالخط والكتلة

16/10/2022

 

(المقال تقديم لمعرض الفنان إسحق دانيال المقام حاليا بقاعة ياسين بالزمالك)
عزالدين نجيب
لا يقتصر وجود عنصر”الإيقاع” على فنون الرقص والموسيقى والغناء والشعر ، بل يدخل فى جميع الفنون التشكيلية من تصوير ورسم ونحت وعمارة ، تلمسه بعينيك فى التناغم بين الخطوط والألوان والكتل واالعلاقات المتناغمة المتصلة او المنفصلة بينها، حيث تَنتُج عن هذا التناغم الإيقاعى حركة وهمية متموجة أو متوترة أو متعاشقة أو متشابكة ، فينعكس عنها إيقاع نغمى ناعم أو خشن ، هادئ أو صاخب ، داخل العمل الفنى أو فى أطرافه عند اتصاله بالفضاء المحيط إذا كان العمل نحتيا.
لكن النحات إسحق دانيال نجح فى أن يجعل هذا الإيقاع راقصا فى تماثيله ورسومه ، إيقاعا ملموس الحركة فيزيقيا، لانه يتجسد أمامك ولا حاجة بك إلى تخيله ، ، فهو واضح من خلال مشخصات راقصة تتمدد كالكاوتشوك وتخلق حركة إيقاعية بخطوط مجسمة سميكة أو نحيلة كأنها حبال مطاطية أو أنابيب مرنة أو هياكل مفرغة ، وكلها من الحديد أو البرونز على ما أظن ، ومع ذلك فإن الفراغات التى تمتلئ بها هذه الهياكل تشف عما وراءها من مرئيات خارج التمثال ، لأن هيئات التماثيل خالية من الأجرام والكتل المصمتة ، فتشعرك بأنها تكاد تنفصل عن الأرض وتطير فى الفضاء ، ولا تعرف وهذه الهيئات التى تبدو ذات بعدين اثنين لا ثلاثة أبعاد لا تكاد تعرف الخطوط المستقيمة أو الزوايا الحادة ، بل تغلب عليها الخطوط المتلوٌِية والأقواس والمنحنيات ، تتمايل وتتراقص وترتعش فى إيقاعات تتفاوت بين السرعة والبطء ، بين الغلظة والرشاقة ، بين التأوٌُدات الأنثوية الميٌَاسة للرقص الشرقى ، والاهتزازات المحمومة للرقص الأفريقى ، بين حركات الأكروبات الهوائية وحركات التحليق الفضائية ، وقد تبدو حركات هذه الهيئات أحيانا رقصا تعبيريا تراجيديا “كالطير يرقص مذبوحا من الألم ” ، أو كالجسد يرتعش مصعوقا بتيار كهربى، حتى الوجوه يدمجها الفنان ثم يشقها بخط زجزاجى مفرٌَغ يفصل بين وجهين ، ويسمح بمرور الهواء بينهما مثلما يمر من بين كل خلايا التمثال ، ويرسم هذا الخط المتعرج بين الوجهين حدودا مشتركة لوضعهما الجانبى المتقابل ، وقد جمعهما شكل بيضاوى نحيل ومصمت ، وينتهى هذا الشكل البيضاوى بساقين لكل وجه منهما ، فيختزل الفنان ، الى درجة التجاهل ، منطقة الصدر والبطن بين الرأس والساقين ، وقد تتمثل الأشكال المفرغة الراقصة فى هيئات تعبيرية لطيور وخيول وفرسان وأشجار ذات فروع وأوراق كثيفة..أو هكذا تبدو لنا.
هذا الأسلوب الاختزالى (قد نضعه فى إطار اتجاه المينيمال آرت- أو فن الحد الأدنى) مقترنا بالإيقاع الراقص ، عبر خطوط موجزة ومجردة ، رقيقة أو مرتعشة ، مفتوحة لعبور الهواء والضوء ذهابا وإيابا ، هذا الأسلوب لا أعرف ما إذا كان قد بدأ عند إسحق بالنحت أم بالرسم ، لكن أيا ما كانت البداية فإنه يجعل الضوء يلعب دورا أساسيا فى لعبة التضاد بينه وبين الأجزاء المعتمة من التمثال مكونا حركة متماوجة بخداع البصر ، تتغير بتغيير مكان المشاهد أمامه.
إسحق دانيال ، الذى عاش مغتربا عن وطنه فى أوروبا عدة عقود ، جعل من الإنسان كائنا بغير ملامح تعطيه أية هوية إلا مجرد إنسان مطلق ، لكن مصريته كامنة تحت جلده ، تَرشَح فوق السطح من حين إلى آخر فى شكل إيماءات فلكلورية أو تراثية ، أو تبدو فى ذكريات طفولية أو من خلال ومضات زخرفية ، فكانت هذه الإيماءات تنبثق فى مراحله الفنية السابقة كلما فاض به الحنين إلى الوطن ، لكن يبدو أن المعادلة الصعبة التى لم تكن تنتهى عنده بين الحداثة والوطن قد انتهت فى هذا المعرض لصالح الحداثة الجمالية ، وإن ظل الوطن محفورا تحت الجلد وفى القلب والوجدان ، فلا تستطيع كل موجات الحداثة الأوروبية أن تزحزحه من مكانه !
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »