18 يناير 2022
بعض نقاد الفن التشكيلى والأساتذة الأكاديميين لديهم حساسية مفرطة تجاه وجود تأثيرات أو إيحاءات ادبية او فكرية فى العمل الفنى ، وكأن اللوحة أو التمثال فى نظرهم قد نُقِل إليهما دم ملوث بميكروب الأدب أو الفكر مما يصيبهما بالتسمم ، او على الأقل هم يرون فى ذلك انحرافا بالفن بعيدا عن أهدافه الجمالية الخالصة لذاتها ، وهذه نظرة بالغة الضيق وقصر النظر ، تجعل من الفن نوعا من الكهانة الأكاديمية وتصيبه بفقر الدم الذى يغذى الرؤية والغاية والرسالة ، وذلك جوهر مفهوم “الفن للفن”، الذى اختزلوه – على امتداد قرن وعدة عقود – فى كونه نشاطا نخبويا لفئة اجتماعية عليا ، او للمتخصصين الذين يقيمون عوازل صارمةبين روافد الفن المختلفة ، وهى نظرة استعلائية أدت إلى انكماش قاعدة التذوق للفن ، وإلى تحوله الى لغة بصرية بحتة لا تهدف الى اى معنى ، فضلا عن انها لغة بلا قواعد يمكن ان يتفق عليها مستخدموها وقراؤها ويصلوا من خلالها الى مدلولات مشتركة.
وأصل هذه النظرة قديم جدا فى تاريخ الفن العالمى ، يعود إلى فترة ما بعد كلاسيكية عصر النهضة ، فى غمار محاولة الفنانين التحرر من هيمنة الأغراض الدينية على الفن والخروج به بعيدا عن الكنيسة والأسطورة والسرد الحكائى ، ليعكف الفنان على جماليات الطبيعة وعلاقات الخطوط والألوان ، بحثا عن التناسق والتناغم ، دون أغراض ادبية خارج العمل الفنى ، مستشهدين على ذلك بلغة الموسيقى التى تطرب الاذن والنفس بألحانها وإيقاعاتها وتصاعداتها النغمية ، بعيدا عن اى رسالة معنوية او حكاية تحكيها للمستمع ، لكنهم ينسون ان هناك ما يسمى بالقصيد السيمفونى الذى يتضمن حكاية او ملحمة تحكيها الالحان وتتصاعد بها إلى ذروة درامية ، ودخل تيار من فلاسفة علم الجمال طرفا فى ذلك مؤكدين ان منبع الجمال يأتى من ذاته كالطبيعة ، ومصبه كذلك هوذاته ، كالوردة تبهج النفس دون ان تكون لديها غاية تستهدفها…
ولست الآن بصدد عرض تفاصيل هذه الرؤية الفلسفية التى سادت فى الفكر الأوروبى لفترات تاريخية ، حتى أنتجت فى النهاية – مع نشاة الفن الحديث فى أوروبا – إنتاجا فنيا منعزلا عن المجتمع والحياة ، يعطى ظهره للجمهور العادى وللقضايا والتحولات الجذرية للواقع ولأسبابها ، وتعامل معه الجمهور العادى بالمثل فأعطاه ظهره ايضا وانصرف بعيدا ، فمضى الفنان ذو الرؤية المذكورة يغنى خارج السرب ، محلقا بجماليات اللغة البصرية التى لا تشوبها شائبة من معنى او تشبيه أدبى او رمز أو إضاءة لوعى الإنسان بما يحيط به ، وكان هذا الاتجاه قد انبثق من المدرسة الانطباعية (التأثيرية) فى اوروبا أواخر القرن العشرين مع نهايات المدرسة الانطباعية ، حيث خرجت من أعطافها – بواسطة الفنان سيزان – المدارس الشكلية البحتة كالتكعيبية والتجريدية ، لكن السريالية تمردت عليها وفرضت رؤيتها للعالم الباطنى للنفس البشرية بكل النزعات البدائية بداخلها وما تشمله من عقد نفسية تتسبب فى صراعات وهواجس وهلاوس ، وتم إسقاط كل ذلك على رؤية الفنان ، مع تخليه عن اى تفسير لما يصوره ، او عن اية مسؤوليةعن أثره على من يتلقاه.
خلاصة هذا الاتجاه بروافده الفنية المختلفة ، هى إبراء الفنان من اتخاذ اى موقف تجاه مجتمعه وعصره ، ومن ثم ؛ إعفاؤه من القيام باى دور للتنوير او التغيير ، متجاهلا -أى هذا الاتجاه – ما أحرزه الفن طوال التاريخ الإنسانى من اتخاذ الفنان موقعا قياديا ، ينحاز من خلاله الى مبادئ الحرية والمقاومة والتقدم ، وإلى قيم وأحداث وقضايا مصيرية للشعوب ، تم ذلك حتى على أيدى بعض قادة الاتجاهات التجريدية والتكعيبية والسريالية مثل بيكاسو وسلفادور دالى ، بل حتى على أيدى دعاة الدادية الاحتجاجية فى العقد الثانى من القرن الماضى مثل الفنان دو شامب ، كل هؤلاء عبروا عن موقفهم المعادى للحرب ومشعليها من الساسةوتجار أسلحتها وقاطفى ثمارها بعد دمار الدول والشعوب وفوق جثث ملايين الأبرياء.
ولاشك ان هؤلاء المستثمرين للحروب من الساسة ورجال المخابرات وتجار السلاح والرأسماليين الاحتكاريين كانوا يقفون على راس المشجعين لتيارات الفن للفن والمستفيدين منها ، فالفن للفن خير “كاتم للصوت” بالنسبة للأفكار الراديكالية المناوئة لهم ، وخير مخدر للنخبة المثقفة لترضى ببقاء الفن منعزلا عن أى دور لكشف الحقائق والعمل عل تغيير الواقع ، ومن ثم فإنهم يدعمون بشتى السبل التيارات الفنية العبثية والاستعلائية والشكلانية ، وقد فضحت ذلك كله بعض الأقلام الشريفة من داخل مؤسساتهم ونخبتهم السياسية والثقافية ، تضمنتها كتب شهيرة صدرت فى امريكا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، شرحت كيف تكفلت المخابرات الأمريكية cia بتجنيد اكبر مشاهير الفن العالمى ، مستخدمة اعلى الإغراءات المادية والادبية ، لتكريس الاتجاهات الفنية المبتعدة عن أى مضامين او معانى ضد الرأسمالية ، ومؤسٌِسةً للاتجاهات الشكلانية الجوفاء من اى معنى او رسالة ، بل على العكس تشجع اتجاهات العبث واللامعقول والغرائبية ، ومنذ اواخر الستينيات فضحت ذلك بعض اتجاهات ما بعد الحداثةفى الفن الغربى ، ونادت بضرورة العودة الى الجذور والاهتمام بفنون الفقراء والمهمشين ، وبالتراث والقيم الفطرية فى الطبيعة والحياة حتى لدى المجتمعات البدائية والعشوائية ، من منظور الانحياز للإنسان وجوهره النقى .
وبعيدا عن بعض التوجهات المتطرفة لأصحاب اتجاهات ما بعد الحداثة ، فإن أغلبهم يزيحون الفواصل بين أنواع الإبداع المختلفة ، ليقوم العمل الفنى على عناصر مجَمٌَعة من الرسم والنحت والتجهيز فى الفراغ وادوات الميديا والتأثيرات الصوتيةوالفيديوهات والمقاطع الادبية والشعرية التى تلصق بجوار العمل كجزء اساسى منه ، لا أعنى بالطبع ان كل هذه الأنواع تستخدم فى عمل واحد ، بل يتاح بعضها مجتمعة للفنان من أجل تحقيق رؤية مفاهيمية ، او لإيصال رسالة أو معنى سياسى او أدبى الى المشاهد ، ومن الطريف أن فنانينا الشباب رحبوا بحماس شديد بهذا الاتجاه عبر دورات صالون الشباب منذ بداياته آخر الثمانينيات ، نتيجة للتشجيع الكبير عليه من قبل وزير الثقافة بأعلى الجوائز المادية ، كسياسة ثقافية ممنهجة آنذاك ، لكن الشباب أخذوا من هذا الاتجاه الشكل وحده ولم يقتربوا – إلا نادرا – من اى مضمون او معنى معارض للاوضاع المستتبة يحمله العمل الفنى ، ووجدوا من بعض لجان التحكيم الحفاوة بهم عن طريق الجوائز السخيةالتى لا ينال مثلها كبار الفنانين ، كما وجدوا من بعض النقاد من يصفق لهم ، حتى ولو بكلمات مقتبسة ومتحذلقة وغالبا لا يفهمونها ، مع امتلائها بالأخطاء اللغوية والإملائيةالفاضحة. وقد يعيبون على أحد الفنانين الكبار ظهور ملامح ادبية أو حكائية فى عمله ، ويرون انها تنتقص من قيمته ، بالرغم من أن عمله يندرج فى إطار ما يسمى ب “الفن المفاهيمى” الذى يستدعى بالضرورة قيامه على فكرة ادبية أو فكرية.
إن مثل هؤلاء النقاد او المنتحلين هذه الصفة من عبَدَة الأساليب المسماة بالعالمية ، يعجزون عن إدراك ما تضفيه الفنون المختلفة من نكهات وعطور الى بعضها البعض ، من شانها ان توسع الشعب الهوائية للمشاهد وان تستثير غدد الخيال والجمال فى العمل الفنى ، بل هى فى الحقيقة تثريه بقيمة مضافة ، ترفع درجة زخمه وقيمته ، وتضاعف قدرته على التأثير والتواصل مع المتلقى ، بواسطة ما يضيفه من إيحاءات أدبية او فلسفية ، أو من تأثيرات موسيقية او سينمائية اوفكرية بوجه عام ، لكن بشرط وحيد ؛ أن يمتلك العمل الفنى كامل عُدته الجمالية وقيمه البنائية وخصوصيته الإبداعية ، بما يمثل فرادة شخصية تستحق صفة الفن والإبداع.