19 نوفمبر 2022
ان نبع الفنانة الاسترالية جيل لويس يأتى من المياه الجوفية لفنون الشعوب البدائية التى سكنت القارة قبل حلول الاستعمار الإنجليزى، كنوز آتية من الرموز والأساطير والرؤى السحرية ، اشتغلت عليها الفنانة ووظفتها بذكاء دون ان تفقد شيئا من براءتها الفطرية والطفولية، وأدمجتها قى تكوينات معاصرة بأدوات الفن الحديث فى رؤى سحرية على مشارف التجريد ، مكتسية ببهجة ونصاعة لونيةمبهرة ، مع احترامها لأيقوناتها الميثولوجية وعالمها الأنثروبولوجى منذ قديم الزمان .فإذا كان ذلك هو المنبع الأصلى، فهل ثمة جدال فى أنه يمثل حضارة لإنسان هذه القارة حتى ظل ملهما لفنانيها الجدد لإبداع فن حديث على انقاضه؟..لكن ماذا كان نصيب الإنسان صاحب هذه الحضارة وصانع ذلك التراث من الرعاية على أرضه التى انتزعت منه بأيدى الاستعمار ، أم أنه تم فقط استغلاله وتهميشه وانتهاك حقوقه مثله مثل كل السكان الاوائل فى شتى القارات التى غزاها الاستعمار الأوروبى والأمريكى على مر العصور؟
لكن الفنانة جيل لويس ترد الاعتبار لهذه الحضارة – أرادت ذلك أم لم ترد ، أو أشارت أم لم تشر – بإحياء رموزها وخيالاتها وأحلام أصحابها الاوائل ، وبإدماجها فى حضارة العصر الحديث لتصبح أسطورة عصرية. ومثل ذلك فعل فنانون عالميون كبار باستلهام روح الشرق وتراثه من مصر والجزائر وتونس وغيرها ، لكن بدلا من أن ينهج بعض فنانينا نهجهم ، استلهموا من المستلهَم اى من الصورة لا من الأصل الذى هو تحت أيديهم!
فما أحوجنا نحن فى مصر وغيرنا من شعوب القارة الأفريقية والبلاد العربية ، وهى غنية بتراث فنى عظيم يمتد الى آلاف السنين ، لأن يستلهم فنانونا معالم هذا التراث ، ونبث فيه الحياة وندخل به مضمار الفن الحديث بحس ابتكارى وعصرى ، كما فعل كثير من فنانينا الرواد بجدارة حتى سبعينيات القرن الماضى ، بدلا من التهافت واللهاث لمحاكاة فنون المدارس الأوروبية الحديثة فنفقد هويتنا ، ونكون – بالكاد – فنانين من الدرجة الثانية ، نجاهد لنشكل نسخا باهتة مما صنعه الرجل الابيض بثقافته وأزماته الحضارية!
أثق فى أنه كان لدينا دائما من المواهب العظيمة ما جعل من استلهام التراث فنا يضعنا فى الصف الاول مع كبار فنانى العالم ، لقد حققنا ذلك بالفعل منذ محمود مختار ومحمود سعيد ومحمد ناجى وراغب عياد والجزار وندا ورافع وسعد كامل والسجينى وجاذبيه وتحية حليم وحامد عبد الله…وقائمة طويلة وعظيمة من شتى الأجيال ، لكننا نحتاج اليوم إلى صحوة جديدة لنجعل الفن المصرى فى صدارة فنون العالم باستنهاض ما تكتنزه خزائن حضارتنا وقريحة شعبنا من نفائس إبداعية.
شكرا للفنان وليد نايف الذى كشف لنا – كعادته – عالم هذه الفنانة الأستراليه ، وعوالم أخرى لفنانين عالميين.
عزالدين نجيب


