المثقفون من القيادة الى المؤخرة

مجلة صباح الخير سبتمبر 2020

تفخر طبقة المثقفين فى أى مجتمع بطليعتها من الكتاب والفنانين والمفكرين وأصحاب الرأى ، فهم العقل الذى يشكل وعى الجماهير ويحرك وجدانهم ،فمع ثورة ١٩ كانت هذه الطليعة برموزها اللامعة فى الأدب والفن بأنواعهما والعلوم بفروعها والفكر بمستوياته ، تبث رسائلها وسط فئات المجتمع من أبناء الطبقة الوسطى كحاضنة للوعى ، بين أساتذة جامعيين ومهندسين ومحامين وموظفين وصغار تجار وطلبة ، وصولا الى الطلائع المستنيرة من الطبقة العاملة ، بل تؤثر فى مسار الطبقة السياسية عبر إصدارات الكتب والجرائد والمجلات، التى كثيرا ما تَوَلوا رئاسة تحريرها .

كثير من هؤلاء جميعا انخرطوا فى غمار حركات وطنية ومسيرات احتجاجية وجمعيات أدبية وفنية، وقادوا مظاهرات ضد الاستعمار والإقطاع والفقر والبؤس والتخلف، وعملوا على تنمية الوعى والمعرفة وتذوق الفنون والآداب ، ونقٌَبوا عن جذور وملامح الهوية فى التراث الشعبى ، وسعوا إلى التغيير الاجتماعى، بل تبنوا مشروعات قومية للتنمية الاقتصادية ، واحتضنوا إقامة رموز نحتية للنهضة،وأطلقوا دعوات لتحرير المرأة ولأن يكون التعليم حقا ضروريا لكل مواطن كالماء والهواء ،وأنشأوا الجامعة الشعبية (جامعة الثقافة الحرة فيما بعد)…واستمر ذلك الحراك حتى فى ظل سلطة استعمارية ونظم حكم ملكية وإقطاعية واستبدادية، ولم يتوقف ذلك كله حتى مع قيام الحرب العالمية الثانية التى استمرت الى منتصف الأربعينيات

وكانت طلائع التنوير تلك هى خمائر التحول الثورى التى مهدت الطريق لقيام ثورة الضباط الأحرار ١٩٥٢ ، بل كان التنويريون ظهيرا لقادة الثورة وملهمين لهم لتحقيق أهدافها فى التحرر الوطنى والعدالة الاجتماعية والكرامة وبناء مجتمع متعلم ، لا مجرد مؤيدين ومباركين لخطاها سعيا لأغراض شخصية ، وعندما تولوا زمام الأمور كقادة لقطاعات الثقافة فى الستينيات نجحوا فى أن يجعلوا الثقافة قُوتا ضروريا للشعب ، ومسبكا لبناء الانسان ، عبر إمداده بالوعى والرؤية الثاقبة للحياة، ومِسَناً لصقل حواسه العليا بثمار الفنون والآداب وحقول المعرفة . ولا ننكر حدوث تجاوزات لا تغتفر فى حقهم لا تبررها أية أعذار ، لكن ذلك لم يدفعهم للانبطاح والانكفاء على الذات ، بل حفزهم على أداء رسالتهم حتى كانت لهم الريادة فى توسيع قاعدة الثقافة والمثقفين ، وفى توثيق الرابطة بين التعليم والوعى الطبقى والعقيدة القتالية لتحرير الأرض، وذلك فى جوهره تحول ثقافى ، وأعتبره المادة الفعالة للسلاح الذى حسم الانتصار فى حرب ١٩٧٣ ، حتى محا عار الهزيمة وحرر الشعب من عقدتها المهينة ، وأشهد أن أعلى فترات المد الثقافى كانت تالية مباشرة لتلك الهزيمة عام ٦٧ ، خاصة عبر قصور الثقافة فى جميع المحافظات ، وعبر فرق مسارح الأقاليم على امتداد الجمهورية ، وعبر نوادى السينما وقاعات الفنون التشكيلية والمجلات الأدبية والنقدية التى شملت نقدا لاذعا للظروف الاجتماعية التى أفرزت الهزيمة ، قادها جيل جديد من المثقفين والمبدعين، ما يعنى أن المثقف لم تهزمه الهزيمة ولم يخضع لسطوة الأمر الواقع، بل كانت دافعا للتمرد عليها…وكم أتمنى أن يعكف الباحثون على توثيق ودراسة هذه الفترة الفاصلة فى تاريخنا ، التى كانت الثقافة خلالها طاقةإيجابية للنهوض ، وميدانا تربويا للشعب يواكب ميدان المعركة العسكرية.

ما يعنينى من هذه المسيرة الثقافية هو أنه قد ترسٌَخ أثناءها فى ضمير المثقفين والجمهور معنى ان “المثقف موقف”، فالثقافة ليست مجرد حلية يتحلى بها الانسان للتميز الاجتماعى او للمتعة الشخصية ، او حتى لمجرد الارتقاء بحواس التذوق وتنمية الإبداع ، بل إنها – كنتيجة لذلك كله – شاحذ لقدرة الابتكار والاختيار داخل الانسان ، بمساعدته على اتخاذ الموقف العقلانى والمبدئى للحق والعدل والجمال ، فى مواجهة كل ما يتناقض مع هذه المبادئ ، إن ما يجعل هذا المعنى يلح علىٌَ بشدة فى السنوات الأخيرة هو ما ألاحظه من ضمور تلك القيم الإنسانية والأخلاقية لدى الأجيال الجديدة ، بل لدى النُخَب المثقفة ، ولو مددت الخط على استقامته فسوف يصل مع الأسف الى كثير ممن وصفتهم فى بداية المقال بالطليعة، ونظرة سريعة لما يدور اليوم فى بعض المؤسسات الحكومية للثقافة أو حتى للنقابات المهنية المعنية بها ، تكفى للدلالة على ذلك ، وبدون الدخول فى التفاصيل يمكننا القول أن نسبة غير قليلة من قادة تلك المؤسسات باتوا بعيدين عن صف الطليعة وعن السعى لكشف الفساد فى المجتمع بل داخل مؤسساتهم ذاتها ، فتوحدوا عضويا مع الجسد المجتمعى العليل ، يعتريهم ما يعتريه من انحراف ومن سعى وراء المنفعة الذاتية بأى ثمن ، أو وراء الحصول على مقعد هنا أو البقاء فى منصب هناك ، والأهم من ذلك؛ ابتعادهم عن اتخاذ موقف مبدئى يليق بالنخبة الملتزمة بقضايا الوطن وتحولاته العميقة على المستويات السياسية والاجتماعية ، ناهيك عن تخليهم عن تبنى مشروعات قومية للنهوض بالثقافة الوطنية أو الثقافة من أجل الشعب ، وبالتوازى مع ذلك ، شهدت حركة الإبداع الفنى والأدبى ابتعادا عن تأصيل الهوية المصرية مثلما كانت هدفا للمثقفين طوال ثلثى القرن الفائت ، فانتهت الهوية الى أن تكون محلا لسخرية البعض ودليلا على التخلف عن فنون العصر ، وانتهى حوار أو تواصل الأجيال إلى قطيعة شبه تامة.

ولن أتحدث عن غياب الاهتمام لدى المؤسسات الثقافية ببناء جسور التواصل مع الجماهير ، والبحث عن مدى وصول ثمار المنتجات الثقافية اليهم أو توافقها مع أذواقهم وتراثهم الثقافى ، وعن تجاهل المؤسسات لقياس التأثير الذى تحدثه مواد الثقافة المقدمة فى تنويرهم ورفع وعيهم …فذلك أمر يطول شرحه…لكن الخلاصة هى أن مؤسسات الثقافة باتت كطواحين الهواء تدور فى الفراغ بغير عائد على أصحاب الحق فيها..مما يبرر القول أن نخب المثقفين انتقلت من موقع طليعة التغيير الى موقع المؤخرة فى الحراك الاجتماعى ، وهنا أنوٌِه الى أن ذلك ليس حكما مطلقا على الجميع ، بل هناك نسبة محدودة من القيادات الثقافية لا تزال قابضة على الجمر ، وتعمل قدر طاقتهاعلى مواجهة أوجه الفساد ومستنقع المصالح الأنانية ، وتحلم بتغيير اجتماعى وقيمى للمجتمع ، لكنهم يعملون فرادى متناثرين لا يملكون قدرات التغيير ولا يمثلون ظاهرة للمقاومة.

غير أن العرَضَ الأخطر من وراء ذلك ؛ هو تفشى مرض السلبية بين الأغلبية فى الصفوف اللاحقة من طبقة المثقفين ، بمعنى العزوف عن اتخاذ موقف مما يدور حولهم، بل حتى مما يفعل بهم بأيدى قادة الفساد ، لقد توزعوا من أغلبية صامتةمنكفئة على همومها الخاصة ولا يعنيها أى شأن عام ، إلى أقليات تتفاوت بين متكيفين مع الأوضاع، ومنتظرين نهاية أى معركة للانضمام إلى الطرف الفائز ، مكتفين بالتعليق على ما يجرى على وسائل التواصل الاجتماعى ، تنفيسا أو تفلسفا أو سخرية أو استعراضا أو تصفية للحسابات ، أو بثاً لطاقة سلبية تحت زعم أنه لا جدوى من أى شىء باسم: (آهو كله عك)!!علما بأن ذلك لا يلغى الجانب الإيجابى للفيسبوك ولكثيرين ممن يتعاملون معه .

إن مقتل أى أمة يكمن فى فساد نخبتها المثقفة ، فهو ما قد يقود فى النهاية الى اليأس المطلق والاستسلام لأعراض انهيارها ، بل وتسليم إرادتها (تسليم مفتاح) الى أى قوة جاهزة للقفز على الوطن، وأمامنا نموذج حى نشهده الآن فى لبنان ، من خلال العريضة الجماعية التى وقع عليها عشرات الآلاف من اللبنانيين بعد كارثة انفجار ميناء بيروت ورفعوها الى الرئيس الفرنسى ماكرون، يطلبون منه فرض الحماية على بلدهم . ومع التسليم بأن الثقافة بنية فوقية تنعكس عن البنية التحتية للمجتمع ، فإن المثقفين الطليعيين يرفضون الرضوخ لهذه القاعدة بقوة التمرد فى طبيعة المثقف ، ويقودون المجتمع الى التغيير وإرساء قاعدة أخرى للإصلاح والتقدم.

أيها الطليعة للثقافة الوطنية ؛ فلتدقوا نواقيس الخطر ؛ فالانبطاح لا يليق بكم!

 

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »