23 ابريل 2019
لمسة وفاء لقطبين من أقطاب التجديد فى تاريخ الحركة الفنية المعاصرة فى مصر ، تقدمها قاعة المسار بالزمالك الى الفنانين الكبيرين الراحلين عمر النجدى ومحمد طه حسين ، وجعلت فى استقبالهما أعمال عدد من رواد الحداثة القدامى فى الأربعينيات ، أمثال الجزار وسمير رافع وسالم الحبشى ومحمود خليل، وأستاذهم فى جماعة الفن المعاصر بدءا من عام ١٩٤٦ حسين يوسف امين ، فى معرض تكريمى حافل يشع بعبق الأصالة والروح المصرية ، وتشاركهم بأعمالها فى مظاهرة الوفاء تلك :فنانة من أقطاب الحداثة فى الستينيات – وإن كانت من خارج الجماعة – هى خديجة رياض ، وبصحبتهم عدد آخر من مريديهم وأبنائهم من أجيال تالية ، هم المصورون حمدى عطية ، غادة مراد ، محمد رضوان ، ابراهيم الدسوقى ، هند عدنان ، سامى ابو العزم ، حازم طه حسين .ومن النحاتين: عصام درويش ، أحمد عسقلانى ، كريم القريطى.
مثل هذا المعرض،يعد نموذجا تربويا رائعا للاجيال الجديدة لتعميق انتمائهم الى جذورهم الأصيلة التى زرعها آباء خاضوا الصعاب وبذلوا التضحيات ليكملوا رسالتهم ويعبٌدوا الطريق للٌَاحقين بهم حتى يواصلوا مشوار البحث الإبداعى لتأكيد الهوية المصرية فى مواجهة تيارات العولمة فى جانبها السلبى الذى يعصف بالهويٌَات الحضارية ، وكذا فى مواجهة دعاة التقوقع الإقليمى المقاومين للتقدم معا.
ويدلل المعرض على أن الحداثة التى شارك الرائدان الكبيران(النجدى وطه حسين)فى شق طريقها لا تعنى التجريد والابتعاد عن الطبيعة والواقع ، فقد حقق كل منهما مشروعه ال.إبداعى برؤية حداثية انطلاقا من منابع الطبيعة والواقع ومن جذور التراث والبيئة عبر الانفتاح على مستجدات الفكر الإنسانى ومدارسه الفنية على السواء ، وهو ما فعله الرواد السابقون لهما على نفس الطريق ، وإن تنوعت أساليبهم بين التعبيرية (مثل حسين يوسف امين والحبشى)، والميثولوجية(الجزار وخليل) والسريالية(سمير رافع) والتجريدية/ التعبيرية(خديجة رياض) ..أما المحتفَى بهما -النجدى وطه حسين – فقد شربا معا من نفس المعين ، وهو التراث الفرعونى والقبطى والإسلامى ثم ملامح البيئة الشعبية بأحياء القاهرة التاريخية واحتفالاتها الفلكلورية وعاداتها وحرفها اليدوية، وقد أعادا اكتشاف ما يحمله هذا كله من قيم جمالية ممتدة عبر التاريخ ، ورؤى وخصائص بصرية تعادل الخصائص الجمالية فى اتجاهات الفن الحديث ، ويمكن من خلالها الوصول حتى الى أعلى مستويات التجريد ، كما فعل النجدى بالحروف الأبجدية والأرقام والزخارف الشعبية البسيطة ، وكما فعل طه بوحدات الخرط الخشبى فى فنون الأرابيسك ، وبتشكيلات الفخار التقليدى فى الواحات الخارجة والداخلة بالوادى الجديد ، وغير ذلك من المأثورات الشعبية ، هذا فضلا عن تأثرهما الشديد – كل بأسلوبه الخاص – بجماليات الفنين الفرعونى والإسلامى ، فى إيجاد حلول فنية مبتكرة بالغة الحداثة والعصرية ، تجعل لغة “الشكل” هى حروفها الاولى ، وكيف تصبح لغة عالمية يتجاوب معها كل من يبحث عن جدة الإبداع فى كل مكان ، مع ما تحمله من رسالة حضارية ، فاستحقا أن تُستضاف أعمالهما فى أكبر متاحف العالم ، بل أن يتم إقامة متحف كامل لأعمال عمر النجدى فى باريس عاصمة الفن العالمى.
لقد أثبت الرائدان – كما أثبت أسلافهما من الرواد الذين يشاركون بأعمالهم فى الاحتفال بهما- أن الطريق الى العالمية يمكن أن يبدأ من صميم المحلية ، لكن ذلك مرهون بقدرة الفنان على استخلاص القيم الجمالية المطلقة من قلب الموروث المحلى ، وعلى أن يقبض – فى قلب هذا الموروث – على الجوهر الإنسانى المشترك عند العالم أجمع الذى لا يموت على مر الزمان ، ولا تستطيع أن تجرفه رياح العولمة وآليات عصر الميديا.
إن من يقول بأن الفن ليس إلا شكلا بصريا بحتا ، كأنه لا يدرك جوهر معنى الفن ، والحقيقة أن هذا الجوهر يمكن إدراكه فى التفاعل الذى يتم بين الحضارات الكبرى وبين
حاجات النفس البشرية المهيٌأة لاستقبال الجمال بأبعاده الروحية والحسية معا ، وهى بالضرورة ترتبط بالطبيعة والحياة ومعنى الوجود ، فلا فن يكتب له البقاء إذا لم يحقق هذا التفاعل مهما كان يحمل من إثارة.
وبالرغم من أن أغلب أعمال الفنانين المعاصرين فى هذا المعرض لا تقتفى أثر النجدى وطه حسين ، بل يُغنٌى كل منهم أغنيته الخاصة ، وهم يتراوحون بين التجريد البحت(كحمدى عطية وغادة مراد ومحمد رضوان وحازم طه حسين) ، وبين التشخيص الواقعى المجسم بقوة(كإبراهيم الدسوقى وهند عدنان ) وبين الواقعية التعبيرية فى النحت(كعصام درويش وأحمد عسقلانى وكريم القريطى) ، إلا أن كلا منهم يجتهد للوصول إلى نغمة صحيحة فى النهج الذى انتهجه ، محاولين أن يتوافقوا – او أغلبهم على الأقل – مع الذائقة الجمالية المصرية ،
وإن غلب الطابع الأوروبى على المجموعة التجريدية ، و غلب الطابع التجسيدى للواقع
على المجموعة التشخيصية ، ما يعنى أن أصحاب كلا الاتجاهين لا يمضى فى مسار الرائدين اللذين يحتفون بهما ، وكان يمكن لقاعة المسار أن تختار لهذه المناسبة فنانين آخرين أكثر تحقيقا للهدف من المعرض ، اللهم إذا كان له هدف آخر غير ما فهمته ..!
لكن يبقى الشكر “للمسار” على ما قدمته ، وهو فى جوهره رسالة للأجيال ..جمهورا وفنانين .


