فيس بوك 18 مارس 2021
الفنانة رندا فؤاد فى معرضها الجديد بقاعة صلاح طاهر تحاول الإمساك بما يستعصى الإمساك به ، لأنه ليس شيئا مرئيا وملموسا ، بل هو حالة توهج داخلى تذوب فيها الروح ، وربما هى أقرب إلى حالة الإشراق التى تتجلى للمريد الصوفى ، حين يبزغ النور من أعماقه لدى اكتشافه فيضا روحانيا يتدفق بغير مصدر خارجى أو غاية مادية ، لذلك يسمونها حالة الكشف ، بمعنى انبلاج النور أمام المريد من مصدر مجهول فى الكون يكشف له ما خفى من فيض روح الخالق . لذلك كان عنوان معرضها موفقا حين اختارت أن يكون : “طوى..أرض النور”.
لكن هذه الحالة عند رندا كان لها بالفعل مصدر خارجى ، تدفق فى روحها بالنور فجأة ، عندما احتوتها وديان وجبال المنطقة المقدسة فى جنوب سيناء ، بين وادى الراحة ودير سانت كاترين وجبل موسى ، وهى لا تدعى أنها تلقت وحيا أو تمثلت تجليات الصوفية ، بل هى ببساطة انجذبت إلى ملكوت كونى يسبح فى فيضان نور الشمس الذى انعكس على الصخور والجبال بدرجات لونية لا تحصى و لا قِبل لها بها ، محفوفة بالخشوع الربانى بعيدا عن صخب العاصمة وزحامها الخانق للأنفاس.
رسمت هى بعد ذلك ما تصورت أنه استحضار بالألوان والخطوط لما رأته وأحست به خلال لقائها الأول والمدهش بتلك المنطقة ، لكن ما بدا لى من لوحاتها كان شيئا آخر ، فلا معالم محددة من الصخور والجبال والوديان ، ولا ألوان نورانية او خطوط ترتيلية ، بل ألوان قوية صدٌَاحة هى انعكاس للفرحة المباغتة بالنور الكونى الذى احتوى جميع الكائنات من أرواح وجمادات ، ودفقت تلك الفرحة فى لوحات تجريدية إلا قليلا ، بعضها يسيطر عليه الأحمر الصريح باستبداد طاغٍ لا يقبل شريكا يتماهى معه ، كونه لون أنانى مفتون بذلته ، فيزيح ما حوله من ألوان ، لأنه لا يقبل بأقل من دور البطولة ، ومن حسن الحظ أن الفنانة لم تستسلم طويلا لسطوته ، بل استطاعت فى كثير من اللوحات ترويضه لينسجم ويتماهى مع الوان كالأخضر والأزرق والبنفسجى والأسود، وأفلتت منها عدة لوحات فرض الاحمر فيها نفسه ، فأعاق بزوغ النور من ثناياها ، سيما وأن عشقها المحسوس للألوان المبهجة جعلها لا تبالى بإدخال الأبيض الذى يشع النور بطبيعته ، لفرط عشقها للألوان القوية حتى لو تصادمت.
لكن عددا من لوحات المعرض خلا من هذه المصادمات (الكونتراست) وبدت فيها الألوان شفافة بدرجات متداخلة تحاكى قوس قزح، فتهمس ولا تَصرُخ حتى بنشوة الفرح ، وتدعوك للتأمل واستكناه ما وراءها من رؤى ، خاصة عندما يتكون النسيج التصويرى من طبقات لونية دسمة بطرف سكين الألوان طبقة فوق أخرى ، وكل طبقة بلون مختلف ، فتسمح الثغرات بين لمسات السكين بانبثاق بصيص الأصفر أو السماوى او الذهبى ، فتبدو كذبذبات ضوئية خافتة تهمس ولا تُصَرٌِح ،هذا بجانب عدة لوحات نفذت كلا منها بدرجات لون واحد (مونوكروم) او من عائلة لونية واحدة.
غير أن رندا – التى تبدو وكأنها رسمت لوحاتها تحت تأثير حالة بهجة تزلزل الوجدان – سرعان ماتضيق بطبقة الصوت الهامسة ، فكأنها تريد من العالم كله أن يبتهج معها بهذا الهيام بالألوان ، فتفصح عن أسراره بصخب تصنعه تلك الألوان الزاعقة ، إلى جانب الخطوط المنتظمة لأشعة الشمس ، مع خطوط أخرى تبدو عشوائية ومتضاربة ، وأشكال هندسية حادة مثل المثلثات المتجاورة ، وربما تقصد أنها رموز للجبال ، حتى وإن كانت تحلق فى سماء اللوحة .
ويدفعها الحماس لإقامة معرضها بسرعة..إلى الإفراط فى عرض كل ما أنجزته من تجارب حتى ولو لم تضف الى المعرض شيئا ، كما تبالغ فى استخدام لون الذهب بكثرة مما يجعله يحتكر البريق والإشعاع لنفسه على حساب الألوان المجاورة ، وأظن أنها تتطلع من خلاله إلى مزيد من جذب الانتباه .بينما أن الموضوع الذى دارت لوحاتها حوله يناسبه صفاء لوني من نوع آخر ، كما لا تعنيه كثرة عدد اللوحات ، لأن الفن يقاس بالكيف قبل الكم ، ومهارة الفنان تبدو فى إخفاء أدوات الصنعة وليس الإفراط فيها والإعلان عنها ، كما يخفى المريد الصوفى أسرار تجلياته النورانية.