بين وزيرين … ونظامين

انتصار وانكسار مشروع ثقافي

ما الذي يجعل ضابطا بسلاح الفرسان، لم يسبق له العمل في أي مجال ثقافي، قادراً على تأسيس أول وزاره للثقافة في مصر، بنجاح يفوق ما قدمه كل وزرء الئقافة من بعده طوال ٦٠ عامأ، رغم أن مجمع الفتره التي قضاها في منصبه لا تزيد عن ست سنوات؟

وما الذي أضافه فنان تشكيلي عمل طوال حياته الوظيفية بوظائف قيادية في مجال الثقافة بمصر وأوروبا حين عين وزيراً للثقافة عام 1988 لمدة ٢٣ عامأ متصلة، مميزاً بفارق الخبرة الطويلة وتدليل النظام السياسي له ؟

إنه الفارق بين الوزيرين ثروت عكاشة وفاروق حسني.

وهو – في نفس الوقت — الفارق بين نظامين .. وعصرين .. بين من يملك رؤبة كلية بنظرة استرتيجية تحدد أهدافها ولمن تتوجه به. فوق عقيدة قتالية في ظل نظام نورة يوليو 52 التي أتت به للوزرة، يحولها إلى خطط مدروسة للتغيير والتنوير وتحقيق العدالة الثقافية .. وبين من يملك أهدافا جزئية وخططا قصيرة المدى يطبقها بالقطعة، في ظل نظام بليد بلا عقيدة قتالية لذتوير وعي الشعب واشباع حرمانه الئقافي؟

ونفس الفارق أيضأ، بين من يعتبر نفسه – منذ اليوم الأول – في معركة ثقافية تعادل تماما معارك التنمية الاقتصادية والاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتصنيع والتأمين الصحي والتعليم المجاني لجميع الطبقات، من الفلاحين والعمال إلى الأفندية وأساتذة الجامعات، ومن العاصمة إلى أبعد قرية … وبين من يرى الثقافة استحقاقاً لأهل العاصمة وبعض المدن الكبرى وأبناء الشرئح العليا بالمجتمع،

القادمين بسيارتهم الفارهة وملابسهم الأنيقة، مزينين بالحلي النفيسة، ومعطرين بالعطور الباريسية، ومرتدين ربطات العنق كشرط لدخول حفلات الأوبرا، أما أهل الأرياف والمدن الصغيرة والأحياء الفقيرة فليس لهم حقوق ثقافية إلا في قصور الثقافة بعد أن صاربت خربة وشبه مظلمة ولا يرتادها إلا موظفوها الذين يُعَدون بالمئات في كل قصر، من حملة مؤهلات التجارة والزرعة ودبلومات الصنايع، وهم لا يمتون للثقافة بصلة، إلا صلة القرب لمساكنهم من القصر، وقد عين أغلبهم بالواسطة على أيدي أعضاء مجلس الشعب عن كل منطقة، سداداً لدين حصوله على أصوات الناخبين!

وإذا بحثنا عن فرق المحتوى الثقافي لمشرع كل وزير، سنجده عند عكاشة يستهدف الارتقاء بوعي الإنسان وتعميق انتمائه لمبادئ الثورة وارتباطه بالعمق الحضاري لأمته مصرياً وعربيا ، وتأكيد ملامح الشخصية الوطنية للفن حتى تتميز بين ثقافات الشعوب، بجانب إشباع حاجة هذا الإنسان للمعرفة والجمال والثقافة الإنسانية والترويح عن النفس، تلك المجالات الغنية تلبيها الفنون والآداب والاطلاع على ثقافات العالم، مع تغذية المواهب الإبداعية وإتاحة اكتشافها وإعطائها الفرص للازدهار، عبر فرق المسرح والموسيقى والفنون الشعبية في كل محافظة. وتنظيم المسابقات المتواصلة لإثارة التنافس بين أصحاب المواهب في كل مجال، وبالنسبة للفنون التشكيلية فقد سعى المشرع إلى انتشارها بإقامة المعارض في المسارات اليومية للناس، وإقامة اللوحات الجدارية العملاقة على جدرن المنشات العامة كدور المحاكم ومحطات السكك الحديدية والمستشفيات والمؤسسات الكبرى، وهكذا إقامة التماثيل في الحدائق العامة والميادين، وتزويد المتاحف الفنية باقتناء أعمال الفنانين من مختلف المدارس والأجيال، وطبع المنتجات الفنية منها لإتاحة الحصول عليها للمواطن العادي بأسعار رمزية، وإضافة متاحف لأعمال الفن العالمي مثل متحف الجزيرة ومحمد محمود خليل، وبناء صرح ضخم بجواره كقصر للفنون (وهو الآن مقر قطاع الفنون التشكيلية )، وتخصيص العديد من البيوت الأثرية كمراسم وبيوت للإبداع، مثل وكالة الغوري بالأزهر وبيت السحيمي بميدان السيدة زينب وقصر المسافرخانة بالجمالية وسراي المانسترلي بمنيل الروضة وسبيل أم عباس بحي الخليفة، وكان ذلك مؤشر نحو حفز الفنانين لمعايشة الأحياء الشعبية وفنون التراث المصري، وتشجيعهم لإستلهام أعمالهم من واقع البيئة والثقافة التاريخية، وارتباط ذلك بإعطاء دفعة قوية لإحياء الحرف التقليدية وإضغاء الاحترم والاعتبار عليها، وجعلها شارك كبار الفنانين في مقار البيوت الأثرية بمساحات تعادل تلك المخصصة لمراسم الفنانين بوكالة الغوري وبيت السناري، ومنح هذه الحرف دفعة أخرى بإقامة مركز الفن والحياة، للمزج بين فنون التراث والفنون الحديثة تحت قيادة الفنان المفكر حامد سعيد.

أما المحتوى والتوجه الثقافي لدى فاروق حسني، فهو اللحاق بركب الثقافة العالمية عبر مهرجانات مثل المسرح التجريبي وصالون الشباب للفنون الشكيلية والفرق الأجنبية للموسيقى والبالية بدار الأوبر وما إليها، ومع أهمية ذلك كله للمسار الثقافي، إلا أنها باحتلالها صدارة المشرع الثقافي للوزراة تشير إلى انحيازه لثقافة نخبوية تليق بالمتخصصين وذوي الياقات العالية قبل غيرهم، أما لو بحثت عن مستهدف للتوجه الثقافي بوجه عام، فستجد أنه يسعى لتعميم المفاهيم الدولية للفن، بعيدا عن تأسيس المفاهيم القومية أو تعميق الهوية المصرية، مما أضفى على الفترة الطوية الممتدة لتوليه الوزارة صفة النخبوية، وانعكس ذلك التوجه في شحوب الاهتمام بالفرق الفنية بالأقاليم، من فرق مسرحية وموسيقية وفرق الفنون الشعبية، بخفض تمويلها وإضعاف المنافسة فيما بينها، كما انعكس في تراجع الاهتمام بإقامة مراسم جديدة للفنانين وإقامة قاعات إضافية لعرضن أعمالهم، وتباطأت الخطى في مشرع التفرغ للفن والأدب والدرسات النقدية والبحوث النظرية والعملية، الذي أسسه ثروت عكاشة من الستينيات، وذلك بتضاؤل المكافات المالية المخصصة بما جعلها غير لائقة بالغرض منها، وكان مشروع التفرغ حافزإ بالغ الأهمية في ازدهار الابداع أيام عكاشة.

وبالرغم مما يوصم به النظام الناصري كخصم للمتقفين قام بالتنكيل بهم، وهو موضوع معقد له ظروفه وملابساته، ولا أقره بكل تأكيد، فإن تجربة ثروت عكاشة قامت أساساً على أكتاف المثقفين كبار وشبابا، محافظين ويسارين، كتاباً وفنانين، سينمائيين ومسرحيين، نقادأ وباحثين، استعان بهم لقيادة وتفعيل دور المؤسسات الثقافية كهيئات السينما والمسرح والثقافة الجماهرية والكتاب وأكاديمية الفنون ورئاسة تحرير المجلات الثقافية والمجلس الأعلى للفنون والآداب قبل أن يتحول اسمه إلى المجلس الأعلى للثقافة على يد الوزير منصور حسن عام ١٩٨١، وكان فاروق حسني نفسه أحد من استعان بهم الوزير مدير لقصر ثقافة الأنفوشي، لكن النسبة الغالبية لكبار المسئولين كانت من اليسار، حتى قيل : لقد تحول لون الوزارة كلها إلى اللون الأحمر ! .. وأقام أربعة مؤتمرت كبرى للمنقفين في الستينيات، فتح خلالها الحوار بكل حرية وصرحة لكافة الرؤى والمقترحات وحتى الانتقادات، ووثق كل الآرء في تلك الكتب الأربعة، اخشى كل منها بأحد مجالات العمل الثقافي، واتخذ منها خار^ة طريق سسير عليها المؤسسات القائمة، وتمثل سياسة ذقافية لا ينكر طابعها الديمقرطي اي منصف عاش تلك ١لغترة، واستمريت هذه سسيسة نافذة المفعول على أرضن الواقع، وأدت إلى ترسيخ لحمة قوية بين المثقفين وبين السيسة الذقافية للدولة والنظام، بالرغم مما يؤخذ عليه – أي النظام- من تجاوزإت غير منكور تجاه بعضهم من المنتمين إلى تنظيمات شيوعية، إلا أنه أعاد الاعتبار إليهم عام ٦٤ ووضعهم في أعلى المناصب بوزر الثقافة وغيرهما، حتى وقعت النكة

فكانوا بعض ضحاياها، بإبعادهم عن مناصبهم لحسابات تلك السحلة الدقيقة من الصرع على السلطة من جانب مركز القوى المناوئة لعبدالناصر، ومع ذلك ظلوا على واتهم له -حتنى وهم بداخل السجون قبل عام ١٩٦٤- مؤيدين دور الوطني وانحياز إلى الفقرء والطبقات الكادحة بتحقيق العدالة الاجتماعية المطلقة صالحهم، كخيار استرتيجي مز للنظام نحوها ٠

وربما كانت ملحمة بناء السد العالي أنصع تجربة كشغت عن هذا التلاحم بين المثقفين والمشرع القومي للنهضة بقيادة النظام، حين دعاهم ثروت عكاشة بكثافة في رحلانت نيلية توضأوا فيها (معنويا) بماء النهر في طرقهم إلى أسوان وقرى

النوبة، فالتحموا بأهاليها وعايشوا مأساة تهجيرهم، وشاركوهم الئفاؤل بالخير القادم بعب. بناء السد، بالرغم من غرق بيوتهم تحت بحيرنه الهائلة ٠ وكتب المبدعون ورسموا وبحثوا ووثموا وسجلوا ترث النوبة قبل غربه، وكشفوا عن قدوت إبداعية برعت من رشهم وأقلامهم ٠ لكن الغنون التشكيلية كانت أسرع وأقدر على التصوير والتعبير من غيرها من الغنون والآداب، ولا أغالي لو قلت إن هده التجربة — الغني كنت أحد من عايشها حققت ريادة جديدة بعد جيل الرواد الأوائل- لتحقيق هوية مصرية خالصة للغن على أيدي كبار رم٠وز الغن وشبابه، تمثل نقلة كيفية في أساليب الفن المصري الحديث، حتى أصبحت مصدر إلهام لأجيال الغنانين، وعمود ارتكاز للحركة الغنية بشخصيتها المستقلة، حتى مجيء فاروق حسني وزير للثقافة، حيث شحبت هده الشخصية وتو١رت خلف ضجيج التيارت المحاكية لغنون الغرب وأسالب الميديا والعولمة وما بعد الحداثة التي شجعها صالون الشباب السنوي.

وفي مقابل صام الوولة فتر ثروت عكاشة بتولي مسئولية الانتاج المسرحي والسينمائي وعروض الغنون الشعبية، بما حقق نجاحأ مشهودا ونهضة حقيقية فيها جميعا، تخلت نفس الدولة إلى حد كبير- عن هده الساسة في وزر فاروق حسني، خاصة بالنسبة لجتاج السينمائي، وتركت هده الدور لمقاولي الانتناج بالقطاع الخاص، وحدث ذلك جزييا في الانتاج المسرحي، وكانت النتيجة انحدارأ في مستوى الأفلام السينمائية حيث اصبحت تجارية بكل سوءات الأفلام التجارية، وفي المسح تضاءل إنتاج الفرق المختلغة، بل انحدربت البنية الأساسية للمساح ذاتها وتعطل بعضها عن العمل سنوات لأسباب مختلفة، أما الفرعة القومية للفنون الشعبية فقد باتت شبه موسمية وبدت أقريب إلى فرق الهواة، هذا في الوقت الذي ازدهربت وازدادت المهرجانات الدولية والمحلية في السينما والمسح، فيما كان الموسم بطوله ينتهي دون الخرج بعرضن مسرحي يستحق النكر، أو بفيلم يصلح للاشئرك به في مهرجان دولي، بعد أن كانت الأفلام الجيدة في السنة الواحدة فتر الستينيات- تعد بالعشرت في أي موسم، والأمر في قضية النكوص عن الإنتاج لا ينتهي عند الخسار الثقافية، بل يعني كذلك خسار. اقتصادية مؤكدة، حيث كانت عائدات الإنتاج السينمائي تعد مصدإ مهما للدخل القومي فتر قيام الدولة به.

ونأتي إلى أكثر النقاط حساسية، وهي العلاقه بالمثقفين، فنجد أن ثروت عكاشة اعتمد على مبدعين حقيقيين من مختلف الأجيال والانتماءات الفكرية لإدار المؤسسات والمشروعات الثقافية كما ذكرنا آنغا، بغير تدخل منه في قناعات كل منهم أو في أسلوب إدارته، (ولعل تجربتي الشخصية في إدار قصر ذقافة كفر الشيخ، برغم صادمها المباشر مع محافظ الإقليم وأجهق الأمن، كما عرضتها بالتفصيل في كتابي |االصامتونت خير شاهد على ذلك) ، فإن ااحسذياا اعتمد أكثر على موظفين تكنوقرط من فئة وكلاء الوزر ورؤساء القطاعات الذين يدينون له بالولاء المطلق إلا قليلا ممن اسئدعاهم من خاح الوزر، لكنهم ظلوا يتعاملون معه بنفس الولاء ، فليس ثمة مشرع ذقافي لكل منهم يخلمن له قبل إخلاصه للوزير، وقد يرد أحد بأن تجربة المجلس الأعلى للثقافة تثبت انفتاح الوزير على كافة المتقفين بكل انتماءاتهم، حين اختارهم بالمئات كأعضاء أو رؤساء للجان المختلغة، وهذا

صحيح، لكن في الحقيقة فإن الاختيار أساساً كان يتم بغرض احتوائهم لا بغرض الاستفادة بأفكارهم في وضع سياسات ثقايية تبعأ للهدف المعلن بشأن إنشاء المجلس، ولقد اعترف نئغسه أنهم اصبحوا في حظير الوزارة، ولعله كان يقصد (حظير النظام) ليكونوا       موالين له،         وحننى مقترحاتهم    التي        يقدمونها في                    الشئون

الئقافية لم يكن ينظر إليها بجدية، بل تلقى في الأدرج وينسى أمرعا، والحقيقة أن الوزير لم يعتبر المجلس بأعضائه المميزين – كقادة للرري- بيت خبر أو شريكا في رعفم السياسات، ولا حئنى كمجلس استشاري، ولو شئنا الدقة فهو ١سئشار^ لايستشار!

والخلافة أن تحاسنيت كان نمونجا للبرجماتي الممعك بالعصا من المنتصف،

محاولا إرضاء السلطة الغني أتت به (وهي الرئيس مبارك وقوى اليمين) ، والتظاهر بإرضاء المتقفين المعتدلين والرديكاليين على السواء ، ون مهمة المجلس الأعلى للثقافة في حقيقتها هي تتفيس محسوب لقوى المعارضة، ووظيفته اسئقطابها ببعض المكافات الصفير وبعض الوعود الكبير، وعلى مسئوى المشروعات الذقافية، فقد بنى انجارته فوق هيكل البنية التحتية لمشرع ثروت عكاشة بلا إضافة إلا القليل، مثل مشرع القرءة للجميع، وتطوير شارع المعز بالأزهر، وتطوير بعفن المتاحف، وضم هيئة الآثار إلى وزر الثقافة كباب لتمويل المشروعات الغني تعجز ميزنية الوزر عن تتفيذها، بتحصيل صندوق التتمية الذقافية لنسبة ١٠ةو من عوائد الآثار، ومما أضافه كذلك، أنه جعل دار الأوبر بمخرجاتها الفنية بديلا عن توزيع الخدمة الذقافية على ربع البلاد، ونتشاء جريدة القاهر كمعادل إعلامي لدور المجلس الأعلى للثقافة، يمشن بها أفكار المثقفين ونقدهم ومعارضتهم أحيانا٠٠

وإجمالأ ٠٠ يمكننا تشبيه دور الثقافي مقارنة بثروت عكاشة بما فعله الرئيس السادات بعد الزعيم عبدالناصر، وفي الحالتين فإن كالا من ١لب^ززررن^ يمثل مبادئ عصر وطموحات السلطة في بلا العصرين ٠

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »