تجليات تشكيلية بين الموسيقى والشعر والدراما

 

حالة رباعية ضمتها قاعتا ضىٌ المزدوجتان بالمهندسين ( أى أن كلا منهما من طابقين) تصنع هذه الحالة أربعة معارض فى فن التصوير لأربعة فنانين متميزين.. ولدوا بين أواخر الخمسينيات وأواخر الستينيات..ويقوم اثنان منهم بالتدريس بكلية الفنون الجميلة بالمنيا ويقوم الثالث بالتدريس بكلية التربية الفنية بالقاهرة..فيما يتفرغ الرابع للفن..ما يعنى أنهم اكتملوا خبرة ونضجا وأستاذية لأجيال جديدة..ومع اختلافهم الكلى أسلوبا وفكرا..فثمة حالة إبداعيةمشتركة تجمع بينهم يمكننا أن نطلق عليها (الشعرية).وقد تدل عليها عناوين معارضهم ؛ فعنوان معرض الفنان سعد العبد الأستاذ بكلية التربية الفنية بالقاهرة هو: ترانيم العشق ..وعنوان معرض الفنان سمير عبد الفضيل..الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بالمنيا هو: موسيقى الحروف ..وعنوان معرض الفنان زكريا أحمد..الأستاذ بفنون المنيا أيضا هو: نقوش على جدا٨ر القلب..أما الفنان جمال مخيمر فقد اختار لمعرضه عنوان : بقايا.
وإلى جانب هذه الحالة الشعرية..تجمع بينهم كذلك حميمية التواصل مع المنابع الحضارية والثقافية والبيئية فى مصر…واتخاذها منصة للانطلاق نحو آفاق الحداثة العالمية بجرأة فى البحث والتجريب والندية التشكيلية تجاه ما تحمله المدارس الفنية الحديثة فى الغرب من استعلاء على الأساليب التقليدية والواقعية..إلى حد أن يطاولوا التجريدية والتكعيبية والسريالية والميتافيزيقية..دون تجاوز للروح الشرقية عموما والمصرية خصوصا..مما يطمئننا على سلامة البنية الأساسية لمعمار الحركة التشكيلية المصرية عبر بلورة ملامح هويتها وخصوصيتها فى خضم الاضطرابات المدمرة التى تعترى هويات الفن لشعوب العالم ضمن ما تعتريه من تهديدات قيمية فى شتى المجالات.
وبكلمات موجزة قدر الإمكان سأحاول تقديم كل من الفنانين الأربعة فيما يلى:
* الفنان سعد العبد :
لوحاته تستلهم من الطبيعة حالة الميلاد والازدهار ..عبر تفتح أوراق النبات وتكاثرها وكأنها تتوالد ذاتيا بقوة نماء جياشة تجعلها تتفتح بالرٌِىٌ وتتألق بوهج النور الذى يشع من داخلها..ونرى الوريقات الغضة تتكاثف وتتفرق..تتقارب وتتباعد..تتلاحم فى أوانٍ دائرية مشقوقة كالأقمار أو تصبح شجيرة توحى بالأسرار..وقد تتناثر لتصبح زهرات متفرقة فوق فروع.. وقد تبدو فى خلفيتها أهرام ومعالم لحضارتنا العريقة.
هى باختصار حالة من الترنم بالميلاد وعشق النماء فى الطبيعة..والفنان فيها غير معنِىٌ بالمحيط الذى تتوالد فيه الزهور والوريقات أو بمنبتها فى حديقة أو شجرة..أو تجمٌُعها فى آنية بللورية أو خزفية لتكون ك”الطبيعة الصامتة” فى لوحات الفنانين..ولا تعنيه تفاصيل مظهرها الخارجى المعتاد..بل يعنيه الإيحاء بسريان الحياة فيها..ونسغ العصارة بين أعطافها لتعكس جوهر النمو والتجدد والازدهار فى الحياة..كذلك فهو مشغول بنسج تكوينات كخلايا مجهرية داخل أوراق النبات..تتشكل فى رؤى جماليةحميمة الصلة بالطبيعة ونائية عنها برؤى جمالية خاصة فى الوقت ذاته..تقترب أحيانا من لغة التجريد بمذاق تعبيرى..وتضفى عليها صفة الحداثة.
* الفنان سمير عبد الفضيل:
تعود بنا لوحاته الحروفية للوهلة الأولى إلى أعمال جيل الستينيات الذين كان لهم دور الريادة فى شق هذا الطريق الحروفى خاصة الفنان يوسف سيده..لكن إضافته تتمثل فى عدة عناصر محورية :
الأول هو إيجاد الشراكة فوق سطح اللوحة بين الحروف العربية والمشخصات الفرعونية..من منظور رمزى للتكامل الحضارى لمصر..وذلك بمنح دور البطولة للبعد الإنسانى والميثولوجى الدال على الرقص والموسيقى بشكل خاص..على خلفية من الإيقاعات اللحنية للحروف وهى تكوٌِن أبياتا شعرية لأمل دنقل وغيره من الشعراء..وبعضها من الشعر المغنٌَى بصوت الموسيقار عبد الوهاب..وتبرز فى الصدارة الحروف الرأسية للألف واللام المعبرة عن الشموخ والرفعة والسمو..وهى تتعاشق وتتحاور مع الحروف الأفقية والقوسية ذات المنحنيات والتجاويف المقعرة والإيقاعات الميٌَاسة الواشية بالغناء والعاطفة..بما يحقق فكرة المعرض وهى موسيقى الحروف.
والعنصر الثانى هو الألوان الصدٌَاحة وهى تصنع حالة من البهجة تكمل الألحان التطريبية فى حركة الخطوط..أما العنصر الثالث – المهم – فهو إضافة الملمس الملىء بالتجاعيد كجلد شخص مسن فى خلفية اللوحات..معطيا إحساسا إنسانيا جياشا بالحياة والحركة تحت سكون الأحرف..وهو يتم عبر تحضير خاص يستعين فيه الفنان بشرائح عريضة من القماش أو الورق..يلصقها ويعالجها قبل عملية الرسم والتكوين..بما يعطى توترا وثراءبصريا وتعبيريا يؤكد المعنى الأساسى للمعرض.
* الفنان زكريا أحمد:
تتراوح لوحاته – التى تتدفق بالحركة واللون والنور والظل – بين موضوعات شعبية تتصدرها عرائس الأراجوز..مع تنويعات فلكلورية مختلفة..وبين تكوينات معمارية فطرية من وحى سيوة وغيرها من الواحات..وهو فى المجموعة الاولى للأراجوز وأجوائه الشعبية يمارس حالة قوية من الحنين إلى الطفولة وبراءتها وبهجتها الصاخبة..حيث تمتلئ بالموتيفات الزخرفية الشعبية..وبالألوان الفياضة بالبهجة والزحام الخطٌِى المناسب للحالة المهرجانية اللصيقة بالموضوع..فضلا عن أسلوب الرسم الأقرب الى الفطرة البدائية لشخصيات الأراجوز وأقربائه الشعبيين.
أما مجموعة التكوينات المعمارية فتنحو منحىً مختلفا..إذ تقوم على الحركة البصرية بين المساحات المسطحة للجدران وهى تتحاور بلغة الضوء والظل مبتعدة عن الدلالة الموضوعيةلمجمل البناء..حتى يبدو الفنان وكأنه يحاول ملامسة التكعيبية بحياء شديد تنقصه الجرأة وروح الاقتحام..لكن الطبقات السخية للألوان الناصعة والمتوهجة بملامسها البارزة تجعل من لوحاته – كما أراد لها أن تكون – نقوشا على جدار القلب!
* معرض “بقايا” للفنان جمال مخيمر:
على عكس لوحات الفنانين الثلاثة السابقين..تأتى لوحات جمال مخيمر مليئة بشحنة درامية مكتومة..بعيدا عن التعبيرات الفلكلورية والرومانسيةوالغنائية الطربية المليئة بالصخب اللونى..حتى نكاد نقول أنه متقشف لونيا وصارم عاطفيا..وميال أكثرنحو التعبيرالفلسفى عن معانى وجودية..تستدعى لدى المشاهد إرهافا للذهن وزهدا فى الطرب وبعدا عن المعانى التقليدية المعتادة..فهو يتخذ من المخلفات البيئية الملقاة بإهمال بعد أن فقدت وظائفها النفعية.. مادة للتصوير الدرامى فوق سطوح ضخمة المساحة باللون الاسود مع القليل من الألوان المساعدة..مادة تدعوك إلى النفاذ إلى مكامن خفية لمعانى مجردة كالهجر والوحدة والزمن والمصير والهوان بعد عز زائل..فهناك القوارب القديمة المهجورة وما تحمله من بقايا سلاسل حديدية وألواح خشبية وطيات من تيل الأشرعة الأبيض ومن الحبال الغليظة..وثمة كتاب مفتوح على صفحةاختفى من كان يقرؤها..وثمة أوانٍ فخارية مرصوصةفى صفوف تعكس جهدا ضائعا فى صنعها لفواخيرجى تركها للعدم..وهناك براميل محطمة ومنبعجة ملقاة وسط النفايات كبقايا شحنة بترول سقطت من فوق مركب أطاحت به عاصفة عاتية إلى شاطئ مهجور…تلك وغيرها دوالٌُُ على مرثية تراجيدية تحمل شواهد على حيوات ضائعة ومجهولة اندثرت حاملة معها أسرارها..وبقيت بقاياها لتضفى عليها طبقات من الغموض والحسرة على بؤس المصير!
هكذا تجعل مؤسسة ضىٌ من كل معرض تقيمه وجبة غنية بالخيال والرؤى العامرة بالأصالة وعمق الجذور..
فيس بوك 31 يناير 2023
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »