خطاب الافتتاح لمؤتمر ادباء مصر ببورسعيد

عز الدين نجيب

فيس بوك

11/9/2019

 

في البداية يسعدني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأمانة العامة للمؤتمر لثقتهم الغالية باختياري رئيساً لهذه الدورة. والشكر والتقدير كذلك لقيادات الهيئة العامة لقصور الثقافة لما أحاطوني به من حفاوة وتكريم، ما جعلني استعيد أجواء زمن بعيد كان لي فيه شرف المساهمة في تأسيس بعض قصور الثقافة وبناء الجسور بينها وبين الجماهير في عدة محافظات. واسمحوا لي باستعراض بعض التحديدات أمام المشهد الثقافي الراهن ، يمكن لهذا المؤتمر أن يواجهها.
• إن مجتمعا يتراجع فيه انتشار الآداب والفنون الرفيعة إلى أدنى درجات سلم الأولويات الاجتماعية، وأدنى معدلات الإنفاق والتمويل، هو مجتمع يسير على قدم واحدة، ويعيش بالنصف الأسفل من جسده، ومهما تم إشباع حاجاته الأولية فسوف تلازمه أنيميا العقل والإبداع والقيم العليا.
• وإن بلدا يُعد ثلث مواطنيه أميين هجائياً، ويُعد جُلّ عدد سكانه – بمن فيهم المتعلمون – أميين ثقافياً، لن يكون قادراً على الحفاظ على منجزاته الكبرى للتنمية والتقدم، طالما افتقروا إلى المادة الفعالة في تكوينهم: وهي الوعي، والوعي هو الابن البكر للثقافة، وهو الحافز الأهم للنهوض وبناء الإنسان.
• وإن عمليات إرهابية تقتل كل حين عشرات الأبرياء باسم الدين، وتخلُف المرارة والآلام، لا تكفي قبضة الأمن للقضاء على فاعليها مهما كان بأسها؛ ذلك لأن قوة الإرهاب لا تحسب في دائرة الجريمة بل في دائرة الفراغ الثقافي الذي تملأه ثقافة دخيلة تعمل على ازدهار الجهل وفقر الفكر.
• وإن نخبة الأمة وطليعتها المتمثلة في أدباءها وفنانيها ومثقفيها في كل المحافظات حين تتجاهل كل هذه التحديدات وتكتفي بمخاطبة بعضها البعض أو مخاطبة شريحة النصف في المائة المثقف من الشعب، وهي غير مهمومة بالقطيعة الثقافية معه، قد يجوز اتهامها بالتخلي عن دورها الوجودي في تغيير هذه الأوضاع، وفي مطالبة الدولة بكل قوة بإرساء رؤية استراتيجية لبناء وعي وذائقة الشعب، ودورها كطليعة ثقافية في وضع الحكومات أمام مسئولياتها الدستورية لتبنيّ مشروعات التنمية الثقافية، بما يتطلبه ذلك من تمويل يكفي لإيقاد مشاعل التنوير، والانتقال بها – مع ثمار الآداب والفنون- إلى كل بقعة من ارض الوطن كما تنص مواد دستور 2014 التي أقرها الشعب.
وقد يقال إن الهيئات التابعة لوزارة الثقافة – وعلى رأسها الهيئة العامة لقصور الثقافة – تبذل قصارى جهودها لتحقيق هذا الهدف ، لكن مؤتمرنا اليوم يناقش قضية أشمل وهي “الحراك الثقافي وأزمة الوعي: إبداعاً وتلقياً” ، وأرى أنه حراك إلى الخلف لا إلى الأمام ، ويكفينا الاحتكام إلى مدى استعداد الطبقات العريضة من الشعب وليس النخب فحسب – لتلقي ثقافة جادة ، فلا نستطيعإنكار أن مستوى التلقّي بلغ ادنى درجاته في شتى مجالات الأدب والفن والفكر، ومن يعملون في مجال النشر على سبيل المثال يعرفون ذلك جيداً، فيما يتصل بانخفاض عدد النسخ المطبوعة من كافة الإصدارات، وفي مقدمتها كتب الأدب والفكر، إلى ألف نسخة، ومع ذلك قد تصل دورة توزيعها إلى عدة سنوات، ولا نتجاهل تأثير ارتفاع أسعار بيع الكتب، نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج، في إحجام القراء عن شراء الكتب، وهو ما ينطبق كذلك على ثمن تذكرة السينما أو المسرح أو الأوبرا أو المتحف، لكن أخطر التحديات بالنسبة لعزوف الجماهير عن الإقبال على الآداب والفنون هو تضاؤل احتياج الجماهير إلى هذه المواد الثقافية حتى لو انخفضت أسعارها؛ فالجماهير لا تشعر بأنه ينقصها الاطلاع على ثمار الأدب والمعرفة والفنون الرفيعة، لأنها لم تتربّ على تذوقها … فضلاً عن غرقها في همومها المعيشية ، ما يجعلها تقبل على استهلاك ثقافة أخرى تروجها قنوات ترفيهية أو وهابية . وهكذا تضاف إلى تأثير الأمية – بشقيها الهجائي والثقافي – مشكلة أخطر وهي فقدان الشهية أصلاً لثقافة تنويرية ؛ فلمن يكتب الشاعر والروائي إذن وقد انسدت الطرق بينهما وبين الجمهور؟ … وما جدوى استمرارهما في الكتابة؟
وهل يصبح البديل هو التسليم بخطاب النخبة للنخبة؟ .. وتلك أسئلة تنسحب كذلك على مختلف الفنون الجادة فيما عدا الفنون التجارية ، التي تجد الإقبال عليها من فئات تَكوّن ذوقها الاستهلاكي في زمن الاضمحلال الثقافي .
هنا لا بديل عن دور الدولة. ليس فقط لإشباع الحرمان الثقافي لدى الطبقات المهمشة التي لم تعرف الطريق يوماً إلى المسرح أو السينما أو المتحف أو قاعة المعارض ، بل كذلك لاستزراع الاحتياج لديها إلى الجيد من هذه الأنواع الثقافية ، محملة بالمضامين الرفيعة التي تغذي الفكر، بدءاً من المدرسة في مراحل التعليم المختلفة، والقضاء على الأمية بأساليب تجمع بين تعلم الكتابة وتذوق الإبداع وتنمية الوعي، باستحداث الوسائل غير التقليدية لمد جسور الثقافة وخلق حالات التفاعل بين النخبة المثقفة والشعب …
إنها عملية تربوية متواصلة لتكوين الوعي والذوق والفكر ، تستهدف بناء إنسان يشارك في قضايا وطنه ومستقبله، ويشعر بالمسئولية عن مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب، ويتفاعل بإيجابية مع المتغيرات الاجتماعية والحراك الثقافي. على أن العمود الفقري لهذا الحراك هو مجابهة أزمة الوعي إبداعاً وتلقياً …. وهذا ما نجتمع حوله اليوم في مؤتمر أدباء مصر، امتداداً لدوراته السابقة التي أثبت فيها الأدباء عمق إخلاصهم لقضايا الوطن وتحدياتها السياسية والثقافية، مؤكدين دورهم التاريخي كطليعة تنويرية للشعب .. وفيما يخص إبداعهم الأدبي فإن نضالهم لابد أن ينصب على مد الجسور المقطوعة بينهم وبين دوائر أوسع من الجماهير.
ولا شك أن بلوغ هذا الهدف لن يتحقق إلا بما تقوم به هيئة قصور الثقافة (التي أفضّل اسمها القديم: الثقافة الجماهيرية) من احتضان وتفعيل لتوصياته، فتلك قضية وجود ومصير بالنسبة لكلا الطرفين: الأدباء والهيئة، على أن ذلك ينبغي أن ينطلق من رؤية استراتيجية شاملة وليس من حلول جزئية محدودة .
سيداتي وسادتي :
دعونا نرى اليوم كيف نستلهم من تجارب الماضي القريب ما يعيد التواصل،بين الأدباء والفنانين والنقاد وبين الجماهير ،عبر قصور وقوافل الثقافة ، التيكانت تمثل – في الستينيات والسبعينيات – العصر الذهبي للثقافة الجماهيرية، حيث كان موهوبون كبار في الأدب والفن والفكر بالقاهرة ، يتسابقون للذهاب إلى قصور الثقافة بالمحافظات، بين أقصى الشمال وأقصى الجنوب ، ليشاركوا في أمسيات الشعر والقصة والمسرح ، ويعلَّموا الناس كيف يتذوقون الموسيقى ويقرأون اللوحة ، وكيف يمارسون نقد الأقلام السينمائية العالمية عبر ندوة الفيلم المختار ، وكيف يناقشون مختلف القضايا بدءاً من قضايا الفكر والسياسية والدين والعدالة الاجتماعية ، حتى آخر اتجاهات الأدب والفن ، وكيف كانت قوافل الثقافة تضيء ظلام القرى بالأفلام والمسرحيات والمعارض الطوافة . وتطلق رياح الوعي وضياء التنوير … وكان من نتائج هذا كله – فوق الاشباع الثقافي للجماهير- تخصيب الحياة الثقافية بأجيال جديدة من الشعراء وكتاب القصة والمسرح والنقد الأدبي والفني ، ومن مبدعي اللوحة والتمثال والمسرحية والفيلم ، الذين وفدوا من الأقاليم إلى القاهرة ، واحتفظوا بجذورهم ممتدة إلى مخزونهم الإبداعي الموصول بذكرياتهم ، يستلهمون منه أعمالهم، حتى انقطعت الجسور بينهم وبين قصور الثقافة ، فانقطع معها دورهم تجاه محافظاتهم … غير أن أغلب من نراهم اليوم في هذا المؤتمر من أدباء وشعراء ، لا يزالون مرابطين في قواعدهم قابضين على مبادئهم ، ومتفاعلين مع أهاليهم ، حتى ولو لم يتلقَّوا ما يستحقونه من جزاء – ولو معنويّ – إلا قليلاً .. فتحيه لهم .
واخيراً .. سيداتي وسادتي .. دعونا نأمل أن يحقق المؤتمر صحوة ثقافية ، تنطلق من بورسعيد ، بحثاً عن إجابة لكيف نستطيع جميعاً – أدباء ومثقفين وحكومة – استعادة ذلك الوهج، لعبور الفجوة العميقة بيننا وبين شعبنا ، وكيف نبني له وعياً يهزم قوى الظلام والتخلف ، ويعيد لمصر دورها الثقافي الرائد في عالمنا العربي ، وينطلق بها انطلاقة السهم ، في معراج التقدم الانساني ، ولتكن البداية من استراتيجية ثقافية نشارك جميعاً في وضعها وتطبيقها.
وفقكم الله … والسلام عليكم .
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »