فيس بوك 18 مارس 2023
هناك فنانون جُبِلوا على كسر المألوف وارتياد الطرق الوعرة بعيدا عن المسارات الممهدة والأساليب المهضومة، حتى لو لم يحظوا بالشعبية المأمولة ، لكنهم يحققون فوزا آخر غير الشعبية، وهو إشباع الذات بتحقيق كشوف إبداعية تتجاوز الشائع من الأذواق بعد قيامهم بالمغامرة تلو الأخرى من خلال تجاربهم الجمالية الخالصة. وبقدر مشقٌة المغامرة تزداد المتعة بالإنجاز ، حتى لو مرت سنوات وسنوات قبل تكريم الفنان، إنهم وُهِبوا القدرة على التجريب المستمر وعلى استكشاف الأرض البكر بحثا عن كنوزهم الذاتية، ولديهم من طبيعة الأطفال الكثير، باعتمادهم على مخزون الرؤى الفطرية وحس البراءة والتعبير التلقائى الذى يتم إسقاطه فوق اللوحة مباشرة وبغير تحضير مسبق أو حسابات عقلانية، وكذلك بتميزهم بحس بدائى يوحى منجزه الفنى بأنه لم يستكمل بعد ، لأن الاكتمال من وجهة نظرهم له معنى مختلف عن المعنى الأكاديمى للإتقان وفق قواعد محسوبة ، بل إن الاكتمال عندهم يحمل معنى الشعور ببلوغ الشحنة التعبيرية الطازجة عندهم ذروتها الابداعية وليست المحاكاة التقليدية للطبيعة، وتلك هى لحظة الصدق و الإمساك بالحقيقة الداخلية بغض النظر عن الحقيقة الخارجية.
إلى هذا النوع من الفنانين ينتمى الفنان د. رضا عبد السلام ومعرضه الاستعادى (٥٠ سنة فن) المقام حاليابقاعة ضى بالمهندسين . ويمكننا تلخيص شخصيته الفنية بثلاث كلمات هى : التجريب .. التغريب.. التمرد…إن التجريب وسيلة أساسية للتطور لدى كل فنان لا تنتهى طوال حياته ، لكنهاعند رضا تتحول من وسيلة إلى غاية . والتغريب عنده يحمل المعنيين: التجربة والاتجاه غربا . أما التمرد فيفترض أن يكون كامنا فى أعماق كل فنان حقيقى، لأنه ينبع من الرغبة فى الكمال المفقود فى الكون، يبحث عنه كل منهم بطريقته الخاصة، لكن تمرده يبدأ من الرغبة فى تغيير الواقع، وصولا إلى التمرد على مسيرةالفن ذاته، باستحداث وسائل وأساليب وأنماط غير معتادة، سعيا إلى تحقيق الدهشة لنفسه أولا ولمن يتلقى عمله ثانيا، فأعماله جميعا تبدأ من الواقع وسرعان ما تفارقة وتحطم مقاييسه المرئية المألوفة.
هذا ما يفعله رضا عبد السلام مثلا فى تصويره للاحتفالات الشعبية، بما فيه من
مراجيح ومنصات النيشان ذات البمب، ومظاهر المولد المختلفة، لكنه يخفى معالمها النمطية بإحالتها إلى سطوح متقابلة، مكعبة الأشكال صارخة الألوان، حتى تصل على يديه فى النهايةإلى عمل تجريدى أو تكعيبى، ذلك لأنه يصنع المولد الخاص به وحده، والمرجيحة التى تنتمى إليه وحده، وكل ما يصوره ينبع من خياله وحده، وهو لا يتطلع – رغم ذلك – إلى أن يجعل من “الموضوع” بطلا فى لوحاته، بل البطل عنده هو “الحالة” المهرجانية، أما الموضوع -سواء كان المولد أو الحارة أو البحر أو المراكب فى النيل أو زحام الشوارع أو أطلال بيوت الواحات، أو حتى جسد المرأة، فليس كل ذلك إلا ذرائع لتشكيل حالة فانتازية للواقع الخارجى، تحكمها علاقات تشكيلية مغايرة، من خطوط ومساحات وبقع لونية وضوئية وأشكال هندسية، وتمثل الخطوط الهندسية فيها أضلاع المربع والمستطيل والمثلث . والخطوط القوسية تشكل الدوائر والمنحنيات. والخطوط العضوية تشكل الأجسام البشرية والحيوانية والنباتية، وتقوم جميعا بتشييد هياكل بصرية ضارية الألوان حينا، رمادية محايدة حينا آخر ، ذات إيقاع حركى متسارع فى الحالتين، ويلجأ الفنان أحيانا إلى صور صور ملونة مطبوعة مقتبسة من بعض المجلات أو البوسترات، يقوم بلصقها فوق اللوحة المرسومة بطريقة “الكولاج” ، بل يصل فى أحيان أخرى إلى إضافة مجسمات مختلفة من بواقى الأخشاب ومخروطات الأرابيسك وقصاصات البراويز وأدوات المطبخ وقطع الكرتون وأوراق الصحف وأدوات البلاستك ، يقوم بلصق أجزاء منها فى أماكن معينة باللوحة، أو يعرضها مستقلة على قواعد كالنحت أو كالأعمال التجميعية أو “الإنستلليشن”(التجهيزات فى الفراغ)،لا يقصد من ورائها إسقاطات رمزية أو فكرية، إنما يقصد إحداث المفارقة البصرية والصدمة الشعورية، كما كان يفعل فنانو “الدادية” والتكعيبية فى أوروبا قبل قرن من الزمان أو يزيد، كتعبيرات احتجاجية أو ساخرة او عبثية، ولعل دراسته لفن الجداريات ثم توَلٌِيه تدريس هذه المادة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة لسنوات ممتدة أضافت إليه هذا الشغف بالمواد الخام متباينة التأثير على الجدران، بدءا من الملمس المتنوع بين النعومة والخشونة، أو بين البارز والغائر، أو بين المسطح والشكل ذى الثلاثة أبعاد، وصولا إلى استخدام الظلال التى تسقطها الأشكال البارزة إلى جوارها على السطح كعنصر يتحرك مع تحرك الإضاءة، فيحدث حراكا بصريا إلى جانب الحراك اللونى والملمسى، لتتضافر جميعا فى تشكيل منظومة عجائبية لا تكتفى بكسر المألوف والمتعارف عليه فى المذاهب الفنية، بل تحيل العمل الفنى إلى موضوع للمفارقات والأسئلة المفاهيمية التى يلقيها المُشاهد على نفسه أو على الفنان أو على العمل الفنى، فيتحول هذا المُشاهد من كونه متلقيا سلبيا إلى أن يكون مشاركا إيجابيا مع الفنان ، متورطا فى لعبة ذكاء تشكيلية إذا جاز التعبير.
وقد ينشأ سؤال بديهى بعد ما سُقناه من خصائص الرؤيةالفنية لرضا عبد السلام وهو؛ إذا كان الأصل لهذه الرؤية هما التكعيبية والدادية، فضلا عن التجريدية التى تصنف نسبة من لوحاته فى سياقها ، فما الجديد الذى أتى به مما ينتمى إلى زماننا الراهن بعد أكثر من قرن على هذه الحركات الفنية؟..وماذا يبدو منه – فى المقابل – منتميا إلى جذورنا وهويتنا؟
اتصور أن الفنان رضا لا يضع هذا السؤال نصب عينيه، فهو ابن الثقافة العالمية اليوم، وأظن أن انشغاله الأكبر يتعلق بسؤال “الجمال” فى جوهره المطلق غير المحدود بزمان أو مكان.
لكن..وبالرغم من غلبة الطابع الشكلانى على أعماله، فهناك ثلاث محطات انشغل فيها بسؤال الهوية، فى المحطة الأولى نجد إرهاصات غير قليلة من هذه الأعمال تنم عن موقف وجودى للإنسان فى هذا العالم، إذ نراه فى بعض الأعمال طيفا أوشبحا أو خطا نحيلا يرسم المحيط الخارجى لإنسان مبهم، ويبدو تائها حينا، ومعلقا فى الفراغ حيناآخر، ومقطوع التواصل مع الآخرين حينا ثالثا، محاطا بالظلام مجهول الهوية والمصير…
والمحطة الثانية هى أعماله عن الحارة المصرية والموالد الشعبية والقوارب النيلية ومراكب الصيد وشباكه ، وفيها جميعا تتبلور هويته وجرأته فى التجريب ويتفرد بأسلوبه الخاص.
أما المحطة الثالثةفتضم لوحاته عن قرى الوادى الجديد وواحة سيوة، إذ كان ضمن أوائل الفنانين الذين جابوا هذه المناطق البكر فى قلب الصحراء فترة الثمانينيات مع زملاء آخرين وأنا منهم، وأعتبرهم شخصيا فاتحين لعالم جديد للرؤية الجمالية ولتعميق الأصالة والهوية، من منظور أبعد وأعمق من نقل الطبيعة أوتسجيل المعالم الخارجية. وقد استكمَلَت موجات متتاليةمن الفنانين مشوارهم الإبداعى حتى اليوم برؤى مختلفة.
إن تلك المحطات الثلاث فى مسيرته الفنية تعلو فيها قيمة التعبير بالتكامل مع قيم التصوير ، وتظهر من خلالها ملامح ودوالٌ الهوية المصرية بغير تعمد أو قصدية، وتَرْشح بإسقاطات فلسفية تقترب من الميتافيزيقية.
وسواء كان رضا عبد السلام فى أى من هذه المحطات الثلاث أو فيما بعدها حتى أعماله الأخيرة التى ينغمس خلالها فى جماليات التجريد التعبيرى والتكعيب “الدادائى”، فإنه لا يقتفى وقع أقدام هذه المدارس كالتابع، بل يتخذها كأطر مفتوحة يقدم من خلالها رؤيته بنت هذه البيئة، ويستخدم فيها أسلوبه الخاص بحساسية مختلفة عن منجزات الغرب فى كل مدرسة أو اتجاه، وكثيرا ما يتمرد على عبثيتها وتشيٌُئِها الجمادى بإدخال شخصيات ورموز وملامح حية من واقع الحياة المصرية، مستجيبا لصوت تمرده ومستمتعا بكامل حريته ومستكملا مشروعه الإبداعى المتفرد، حتى ولو أطلق من خلاله المزيد من الأسئلة والصدامات ، لا من الأجوبة والمواءمات.
لكن ثمة سؤال محورى يحتاج الفنان ان يطرحه على نفسه وهو: متى يعطى قضية (الحداثة/التراث) مزيدا من الاهتمام والشغل عليها، حتى لا يظل التناقض قائما داخل مشروعه الفنى ومنذرا باستمرار توغله فى الحداثة الأوروبية وباغترابه المتسارع عن جذوره الثقافية؟ ، رغم أنه نجح فى حل هذا التناقض خلال المحطات الثلاث السابق ذكرها
والقضية لا تخص رضا عبد السلام وحده، فهناك فنانون كثيرون يرددون (أو يردد عشاق أعمالهم) بحماس عاطفى ؛ أنهم فنانون عالميون، بل يطالبون الدولة بدعمهم فى هذا الاتجاه، مثلما نودِىَ خلال الندوة التى أقيمت عن معرضه هذا الأسبوع، ومعنى العالمية بالنسبة لهم هو الاعتراف بهم أوروبيا وأمريكيا قبل أى مكان آخر ، ومن ثم فإنهم – ربما من حيث لا يقصدون – يرسٌِخون التناقض المشار إليه بشأن الهوية، والحقيقة أن “العالمية” بهذا المفهوم وهْمُُ كبير ،لأن مضمومها هو التخلى عن القيم القومية والخصوصية المحلية، وأن تحل محلها القيم المعتمدة أوروبياوالمروٌَج لها بكثافة فى الثقافة الغربية ، مما ينعكس فى إحداث قطيعة ذوقية بين فنانى الحداثة على الطريقة الغربية الذين يعيشون فى دول الشرق والجنوب عامة وبين مجتمعاتهم، تحت تأثير آحادية التوجه غربا وتكريس مفاهيم الاغتراب.
لكن المفهوم الصحيح للعالمية يتحقق عندما يعبر الفن عن القيم الإنسانية والحضارية العليا المتفق عليها عالميا، مهما عكس الفن ملامح محلية، وهو ما جعل صفة “العالمية” تأتى طواعية إلى فنانين مصريين أمثال محمود مختار ومحمود سعيد وراغب عياد والجزار وندا وتحية حليم وجاذبية سرى وغيرهم، دون أن يذهبو غربا ويطلبوها لأنفسهم، وهذا ما يستطيع أن يحققه أيضا الفنان صاحب الموهبة الفذة بمستوى من ذكرناهم من الرموز المصريين، وسيصل إلى العالمية كما وصلوا ، إن آجلا أو عاجلا
إن خطر الاغتراب آخِذُُ فى الاقتراب بإيقاع سريع بداية من السنوات الثلاثين الأخيرة خاصة من الأجيال الجديدة من الفنانين، ومنهم ينتقل إلى دوائر النخبة المثقفة (أو المستلبة ثقافيا) ، وهو يتخذ من العالميةذريعة وعنوانا..فانتبهوا !




