14 ابريل 2019
لزمن طويل درجنا على اعتبار الصورة الفوتوغرافية مجرد وسيلة لتسجيل الشخصيات والأحداث والمناسبات والمشاهد ، فلم تكن تُعتبر على المستوى العام فنا ، لأنها لا تملك مخيلة الفنان وقدرته على الخلق المستقل عن الطبيعة ، ولا تتمتع بالغموض المحير وسحر الابداع ، ومهما بدت فيه من لمحات الجمال والابتكار ، فستظل محض توثيق لما تعكسه ميكانيكا عدسة المصور.
هذا المفهوم الدارج قد أصبح فى خبر كان ، وبات الابتكار بالصورة الضوئية فنا مستقلا يتمتع بأركان مكتملة للإبداع ، ويحظى باعتراف محافل الفن التشكيلى محليا ودوليا ، من منطلق ان الكاميرا مجرد أداة فى يد الفنان ، يستطيع أن يستخرج بها رؤى جمالية بحس ذاتى وتعبير خيالى ، يطوع به ما ينتقيه من ملامح الطبيعة والواقع الى عناصر جمالية بمفهوم خاص بالمصور ، ويعيد من خلاله خلق تلك الملامح ، مثله مثل الرسام فى تعامله مع المحيط من حوله ،…والآن نرى أقساما تخصص لهذا النوع من الابداع فى مهرجانات الفن بجوار مجالات الابداع التقليدية ، وتخصص له الجوائز القيمة أسوة بها.
آخر معرض لهذا الفن يقام حاليا بمركز الجزيرة للفنون للفنان سمير سعد الدين ، وهو أستاذ بمعهد السينما الذى تخرج فيه فى الستينيات ، وقد حققت له معارضه الخاصة ومشاركاته الدولية شهرة ومكانة مرموقة فى هذا المجال.
فى معرضه الجديد يواصل سمير الرسم بالأضواء والظلال حتى يبلغ درجة التجريد البحت ، عبر عملية اختزال شديدة لمشاهد البيئة وبيوت الحوارى وآثار المعابد وصور الانسان والحيوان حتى تتحول الى بقع ضوئية ومساحات ظلية وايقاعات بصرية بالأبيض والأسود وحدهما فى اغلب الأحيان ، لكن كلا من بقع الضوء ومساحات الظل تتماوج فى درجات على كل جانب ، صانعة حالة من الخداع المراوغ توحى لكل مشاهد بما يوقظ خياله لاستكشاف ما وراءها من رؤى عن الطبيعة والمكان وبقية العناصر البصرية ، وقد تقود هذه الحالات الضوئية خيال المشاهد نحو إسقاطات من المعانى حول الحياة والوجود ، أو الى اقتناص مفارقة مباغتة فى مشهد امراة تسابق ظلها مثلا ، او عبر طاقة نور تبزغ فى نهاية درب يكتنفه الظلام والغموض ، او عبر مجموعة مسطحات تعكس شظايا الضوء على حوافها ظلالا غامضة ، او تعطى عدةُ مستطيلات ضوئية متناثرة مع ومضات تبرق فوق ارض الطريق إيحاء غامضا بتسلل النور فى طريقه للنهار ، او بانهمار نهر ضوئى على طريق مظلم.
وللحارة الشعبية مساحة كبيرة كمصدر إلهام لأعماله ؛ ففى إحداها تتقاطع مستطيلات الضوء والظل للبيوت العتيقة فى حوار تجريدى ، وفى ثانية تنعكس ألسنة الضوء على الجدران المعتمة بزوايا حادة ، وتأخذك العناصر الواقعية فى الحارة الأثرية إلى مفارقة بين القديم والجديد من خلال وجود سيارة حديثة تنحشر فى الزقاق الضيق ، وفى ثالثة ينداح النور سائلا على الأرض الحجرية
كماء متدفق يخوض فيه شبح معتم عكس االضوء ، وفى رابعة تبدو الأزياء المعلقة أمام دكان للملابس بألوانها الساطعة وسط ظلام الحارة كمفارقة الحياة النابضة فى قلب الظلمة، وفى خامسة يركز الفنان عدسته على أعمدة الخرط الخشبى لمشربية قديمة بزاوية مائلة فتعطى الانطباع بصفحة من الزمن الغارب !
والأمر بالنسبة لسعد الدين ليس مجرد انطباعات عفوية من خلال التقاطه هذه المشاهد ، بل هو علم البصريات وقوانينه حين يمتزج بموهبة التشكيل بالضوء ، وبالإحساس المرهف بالطبيعة…هذا المزيج الإبداعى يعد قيمة مضافة الى منابع الرؤية الفنية ، سواء كان الوسيط آلة كاميرا أو فرشاة أو إزميلا.

