فيس بوك 27 مارس 2022
تأخرت كثيرا فى زيارة معرض النحات الكبير صلاح حماد بقاعة أفق ، لانشغالى بافتتاح معرضى بقاعة ضى فى نفس توقيت معرضه تقريبا ، وهو ليس من المعارض التى تمر عليها فى صمت مرور الكرام . إن حماد من فصيلة الفنانين المشاغبين فنيا ، بمعنى عدم التصالح مع الدارج والمألوف ، والتعارض الجدلى مع الأعمال المدجنة التى انبثقت من معطف النحات مختار ، ومن لا يزالون يحملون ملامح أسلوبه ومنهجه ، وإن يكن تأثرهم به أصبح قليلا خلال نصف القرن الأخير ، خاصة بالنسبة لبنيته الهرمية الراسخة ، وللرقة الشاعرية الناعمة لفلاحاته ، ولرموزه الوطنية الذائبة فى مزيج الحضارة والتاريخ ، والحق أن مختار مع سلاسة أسلوبه وإغرائه لتلاميذه بتقليده كان يستعصى على التقليد ، وذلك لفرادته فى المزج بين ملامح البيئة والواقع البصرى وبين ثلاث حضارات غنية هى المصرية القديمة واليونانية الرومانية والأوروبية فى أواخر القرن١٩ وأوائل القرن العشرين ، وقد استطاع بعض من اتبعوا خطاه خلال القرن العشرين تجاوز مفاهيمه البنائية والتعبيرية على طريق الحداثة الأوروبية ، لكن بدون ان ينجح أغلبهم فى أن يعكس ذلك الوهج الخفى فى تماثيله، ذلك الوهج النابع من عمق الروح المصرية وجوهر النحت الفرعونى فى بساطة آسرة ، وذلك هو السهل الممتنع.
الانتماء الأعمق لصلاح حماد هو للاتجاهات الحداثية الغربية وقيمها الجمالية ، التى تنفر من محاكاة الطبيعة ومن الموضوعات والرسائل المباشرة ، وتعطى الأولوية المطلقة للغة الشكل البحت ، لذلك نراه يجعل قضيته المحورية هى البحث فى أساليب البناء ، عبر تفكيك الكتلة فى الطبيعة وإعادة بنائها بمفهوم إختزالى ، مستخدما التسطيح والتكعيب لإيجاد علاقات جمالية لا تحاكى الواقع وإن كانت تُلمٌِح إليه ، ومع ذلك فإن تماثيله تحمل نكهة (وقد نسميها كلمة السر) فى النحت الفرعونى ، متمثلة فى المهابة والرفعة والإيجاز المفرط للتفاصيل حتى يبلغ جوهر النحت المجرد ولو كان تشخيصيا ، وقد يبدو حماد من النظرة العابرة المتعجلة أكثر شبها بفنانى اوروبا المحدثين فى النصف الأول من القرن العشرين ، مع نشأة المدرسة التكعيبية والمدرسة الاختزالية(مينيمال آرت) .
إلا أن مشخصاته تستدعى فى ذاكرتنا مهابة البورترهات فى مصر القديمة ، خاصة تلك المتحررة من الطقوس الجنائزية والمظاهر الملكية والتفاصيل الواقعية حتى تصل الى مشارف التسطيح والتكعيب المجرد ، ونراهاعنده تكتسى بطابع الرفعة ، بعد أن تحررهت من سطوة الجاذبية الأرضية وحلقت الكتلة المتماسكة فى الفضاء ، وتم “تشفيتها” من كل الزوائد ثم تلخيصها فى أشكال هندسية مجردة وجوانب مسطحةومستقيمة رأسيا وأفقيا ، والقليل منها يبدو فى أشكال منحنية او كروية أو عضوية ، ما يكسبها حُنُوٌَا وإنسانية تنبض بالحياة ، وقدرة على استقطاب عين المشاهد ووجدانه ، لقربها من الذائقة الشرقية عموما ، وقربها كذلك من رقة وقوة تمثال الخماسين لمختار ، مثل تمثاله (أى حماد) للرجل البدين الواقف بزى أقرب إلى لباس الرهبان ، وكذلك تماثيله العديدة للطيور ، وهى تذكرنا بالصقر المقدس حورس ، وتمثاله للمرأة الذى يذكرنا بوجوه بعض المومياوات ، وإن تكن تبدو عنده فى بناء هرمى فى جزئه الأسفل.
يمكننا أن نعتبر تجربة صلاح حماد امتدادا – على نحو ما – لتجربة آدم حنين الاختزالية للكتلة ، بجرأة أكثر على تحطيمها وتكعيبها وتجريدها من معالمها الواقعية ، وقد يبدو أحيانا انه يلامس أسلوب النحات صبحى جرجس ، خاصة فى أعماله ذات الشرائح المستقيمة التى تطعن الفضاء ، ويعلو فيها الحس التعبيرى بمناوشته للفراغ حوله وفوقه ، ومشاكسته بشرائح من الحديد ذات زوايا حادة ، وبأذرع وأطراف ميكانيكية مدببة ، وهذا هو الجانب المفارق للروح المصرية فى أعماله.
وتصاحب معرض النحت أعمال ضخمة المساحات من التصوير التجريدى ، وهى فى مجملها تبدو دخيلة على المعرض ، ليس لان الفنان يقتحم بها عالم النحت الذى تحقق من خلاله ، بل لانها أقرب إلى الطابع الديكورى ، عبر استخدامه اشكال الدوائر وغيرها من الأشكال الزخرفية ، وهى لا تحمل المهابة والرفعة وكثافة التعبير فى تماثيله ، وقد نراها محاولات تجريبية باللون والخط خارج ميدانه الحميم لقلبه ، دون تَمَثٌُل كافٍ للقيم الأصيلة للتصوير المصرى القديم والحديث ، واكتفائه بمحاكاته لهذا الاتجاه فى الفن العالمى ، وهى لهذا لا تضيف كيفيا إلى القيم العالية فى منحوتاته المكينة. وأظن أن موهبة صلاح حماد لا تزال فى حالة سيولة إبداعية متدفقة ، ومن ثم فهى قادرة على الفرز والإضافة والإزاحة للزوائد التقنية الناشزة عن رؤيته الكلية ، مثلما نجح فى إزاحة الزوائد الوصفية عن كتلته النحتية لتصل إلى مستوى الرفعة، فليس بالتجريد الزخرفى وحده يحيا الفن !

