مجلة صباح الخير 23 يوليو 2019
بقلم:عزالدين نجيب
ما أكثر الخلافات بين الساسة والمحللين عند تقييم تجربة جمال عبد الناصر كنموذج للحكم شغل العالم كله حتى رحيله المفاجئ عام١٩٧٠،بين كونه عند البعض زعيما وطنيا وتاريخيا قضى على الاستعمار والطبقات المستغلة للشعب، وحقق العدالة الاجتماعية،والكرامة الوطنية للمصريين، وأسس مفهوم القومية العربية ومشروع الوحدة بين بلدان العرب، وقاد نضال شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية للتحرر الوطنى من الاستعمار ، وبين من يراه دكتاتورا عسكريا قتل الحرية والحياة الديمقراطية فى مصر وأدى الى انهيار الاقتصاد الوطنى باسم الاشتراكية، وانتهى ببلاده الى هزيمة عسكرية مذلة بسبب غطرسته وغروره وفشله السياسى والعسكرى ، وإقصائه لكل المختلفين معه، ومع ذلك قد لا يختلف اثنان على شخصيته الكارزمية التى لعبت دورا هاما فى توحيد القلوب حوله من شعبه أو من شعوب العالم الثالث على مدى ١٨ عاما هى كل سنواته فى الحكم ، لقد احتل بهذه الشخصية مكانه فى وجدان الشعب ومظاليمه وكادحيه(ملح الأرض) قبل غيرهم ،لأسباب مفهومة تتعلق بانحيازه المطلق إليهم وتمكينهم من ارضهم ومقدراتهم ، مكللين بالكرامة والعزة والقدرة على مواجهة من أذلوهم دهورا. وحتى المختلفين معه من بعض السياسيين لم يكونوا يخفون إعجابهم بشخصيته شديدة القوة والتأثير، حتى وهُم خلف أسوار سجونه، فى مقابل كُثر آخرين بالطبع كانوا يحقدون عليه ويتمنون زواله من الوجود!
علماء النفس يرجعون هذه ،الحالة”المغناطيسية”بإشعاع لا يقاوم، الى أنها تعبير عن الانجذاب السلبى الى شخصية الأب فى فترة الطفولة والمراهقة ، وقد تستمر حتى مراحل تالية لدى الشعوب ذات العقل الجمعى، وهى مرحلة عدم النضج العاطفى ونقص اكتمال شخصية الأبناء، لكن هذه الحالة قد تخفى بداخلها فى ذات الوقت كرها لاستبداد الاب ورغبة فى التحرر من خناقها إلى حد تمنى الموت له، وهذا ما يُطلق عليها “عقدة قتل الأب”!
لكن القياس هنافيه ظلم كبير للطبقات الفقيرة والمتوسطة ولشعوب العالم الثالث عامة، لأنها آمنت به وصدقته واتبعت خطاه، ليس فقط كزعيم سياسى يمثل البطولة ويدعو الى العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، بل كذلك كأب روحى يبلور آمال أمته وكافة الأمم المقهورة، ويمنحها الأمل فى الخلاص والانتصار، والحنان الذى تفتقده، والحضن الوسيع الذى يستوعب هموم شعبه وكل الشعوب التى عوملت دهورا بغير إنسانية، فضلا عما يمثله من قوة الحزم ضد الفساد والفاسدين، وصرامة المبدأ فى قيادة قافلته المحاصرة بأعتى العواصف من الداخل والخارج، مع الحكمة فى اتخاذ القرار الذى يستلهمه من إرادة الشعب، وكان يردد دائما:الشعب هو القائد والمعلم.
إن نظرية قتل الأب قد تنطبق على الأفراد لكنها لا تنطبق على الشعوب والمجتمعات، لأن للشعوب إرثها الثقافى الممتد ورصيدها الحضارى والمعرفى وحكمتها الفطرية ابنة التجربةوالخطأ، وهى تستهدى بقوانين الطبيعة ووعى الجماعة بمصالحها، وبقدرتها على صنع بطلها المعبر عنها، وقد تعطى ثقتها وتأييدها لحاكم ليس من دمها كمحمد على باشا، لانه استطاع بلورة آمالها فى التحرر من الحكام المماليك والاتراك الذين نهبوا الوطن وأذلوه ستة قرون متصلة، ولاتعطى ثقتها وتأييدها لزعيم من أهلها ودمها مثل محمد سلطان باشا رئيس البرلمان، القريب من الخديوي توفيق ومن الاستعمار الإنجليزى، والعضو البارز بين قيادات ثورة عرابى فى بدايتها، قبل ان ينقلب عليه ويسلمه للإنجليز ، وكان يمكن – لو مكنوه من الحكم – ان يخفف بعض معاناة الشعب ولو صوريا، بإقناعه الإنجليز بذلك كثمن لاستمرار استعمارهم لمصر ، لكن الشعب بفطرته رفض الخائن وجرده من شرفه ومكانته، حتى ابنته هدى(التى عرفت لاحقا بهدى شعراوى) تبرأت منه وتزوجت بشعراوى باشا احد قادة ثورة ١٩١٩ واحد اعضاء الوفد المصاحب لسعد زغلول فى اوروبا.
وبعد هزيمة ١٩٦٧ المدمرة، التى اعترف عبد الناصر بالمسئولية عنها واعلن التنحى عن الحكم بسببها اتساقا مع نفسه، كان من المنطقى ان يقبلها الشعب مضحيا ببطله التاريخى على مذبح الهزيمة، لكن حكمة هذا الشعب سبقت شعوره بفداحة الجرح وقادته الى رفض التنحى، وربما ادرك أن بطله تم الغدر به على يد اقرب اصدقائه الذى اولاه ثقته، فاستهان بالمسئولية هو وحاشيته، وكذلك فإن الشعب ادرك ان الشخص الوحيد القادر على إنقاذ السفينة من الغرق هو عبد الناصر نفسه!
وكان القائد بالفعل على مستوى هذه الثقة،إذ قاد بالفعل حرب الاستنزاف للعدو الصهيونى بعد أيام من سكوت المدافع، واشتعلت حرب تحرير لا تقل ضراوة عن حرب ٧٣ ، إن لم تكن العامل الأساسى فى خوضها ثم الانتصار فيها، رغم رحيل الزعيم قبل اشتعالها بثلاث سنوات، حيث كان قد أعد لها كل العتاد والتدريب والخطط العسكرية وحتى اختراق خط بارليف بخراطيم الماء.
للرجل اخطاؤه بغير شك ، وتتركز فى عدم تنفيذ المبدأ السادس من مبادئ ثورة يوليو١٩٥٢، وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وقداعترف بهذا الخطأ عبر عملية نقد الذات خلال اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى، وأعلن عزمه تصحيح المسار والإعداد لبدء العملية الديمقراطية، رغم شدة التحديات التى كانت تجابهه خلال حرب الاستنزاف وإعادة بناء الجبهة الداخلية، مع استمرار وجود التركيبة الانتهازية بداخل الاتحاد الاشتراكى(التنظيم السياسى الوحيد)، لكن الموت الغادر كان أسبق، ومع ذلك استعصت صفحته على الانطواء بعد رحيله، بل ظلت ساطعة أمام الأجيال الجديدة كلما ألمٌَ الخطر بالوطن، وقد رأينا كيف تصدرت صوره كافة المظاهرات المليونية بشتى ميادين مصر بالقاهرة والمحافظات خلال ثورتَىْ يناير٢٠١١ و٣٠ يونية٢٠١٣، وأغلب حامليها لم يعيشوا عصر عبد الناصر، لكن صورته ظلت حية تتوارثها الاجيال وتعشش فى الوجدان القومى، محاطة بوفاء الشعب وحكمته.