عناق برَدَى والنيل

عز الدين نجيب 2021

طلب منى كثير من الأصدقاء نشر بعض لوحات الفنانة المصرية شلبية إبراهيم زوجة الفنان السورى الراحل نذير نبعة بعد أن كتبت قصتهما هنا مشفوعة ببعض لوحاته وحده، وكان علىٌَ الاستجابة لهذا الطلب العادل..وبينما كنت أقلب فى أوراقى القديمة بحثا عن صور شلبية تضاف إلى ما أسعفنى به الصديق الأردنى سامى هندية ، عثرت على الجزء الاول من مقال لى نشرته فى مجلة العربى الصغير الكويتية بنفس العنوان أعلاه عن الفنانَيْن ، ووجدته مناسبا للحالة الشاعرية التى أحدثها هنا نشر مقالى السابق عنهما ، ورأيت ان اعيد نشره ، مع اعتذارى عن عدم عثورى على الجزء الثانى ، حيث كان ذلك عام ١٩٩٨…وإليكم المقال المصاغ فى شكل قصة قصيرة…

جلس الرسام الشاب أمام الفتاة الريفية ، يتأمل ملامح وجهها السمراء الهادئة ، وعينيها الباسمتين فى صفاء لم يعكره غبار المدينة ، والنور الخافت الذى ينسكب على أحد جانبى الوجه ويترك الجانب الآخر فى الظل يضفى عليه سحرا وغموضا ، وأخذ يسأل نفسه: من أين يأتى هذا الابتسام رغم ان الشفتين مزمومتان؟ اهو الحياء من نظراته؟ أهى اللهفة لأن ترى نفسها خلال الرسم؟ أهى السعادة لكونها أصبحت ملهمة الفنان؟ ..هل يمكن ان نرى ابتسامة الروح وبراءة القلب بهذا الوضوح؟

وعندما انتهى من الرسم قفزت الفتاة نحوه وراحت تتامل صورتها، انتظر ان تقول شيئا فلم تفعل ، لكن الشمس أشرقت فى وجهها ، والبريق تلألأ فى عينيها ، فكانا أبلغ من أي كلام ، وعاد الفنان “نذير” إلى حامل الرسم حيث اللوحة الزيتية التى كان يعمل بها ليكملها ، وجاء الدور على “شلبية” كى تتأمله ، وفجأة سألته:

– أتسمح لى بأن أرسم؟

– اتعرفين أن ترسمى؟

– سوف أجرب.

– ماذا سترسمين؟

– لا أعرف بعد..فقط أريد ورقة وبعض الألوان.

– حسنا..لكن ليس قبل أن تنتهى من درسك.

فقالت وهى تتناول منه الورق وعلبة الألوان : حاضر.

كان نذير نبعة قد بدأ مع شلبية دروس اللغة العربية والحساب ، أثناء استكمال مشروعه الدراسى فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، حيث يستعين بها فى إنجازه كشخصية فنية فى لوحاته ، فقد جاء من بلده سوريا لدراسة الفن فى مصر ، واستأجر مرسمه فى أحد الأحياء الشعبية التى عشق الحياة فيها ، ووجد فى شخصية شلبية خير تمثيل لأصالة هذه الحياة وفطرتها النقية برغم قسوتها وطبيعتها الخشنة ، وكان سعيدا بما يقوم به تجاه شلبية ، بعد ان لمس إصرارها على تجاوز الظروف التى لم تهيئ لها فرصة التعليم حتى بلغت السابعة عشرة من عمرها وهى تعيش فى قريتها بالمنوفية ، أليس الفنان مسؤولا عن النهوض بالواقع؟ هاهو إذن الاختبار العملى لإثبات ذلك.

بعد قليل جاءت بأوراقها ، وبدلا من أن تريه ما أتمته من الدرس ، إذا بها تسلمه الأوراق وقد امتلأت بالرسوم الملونة !..لم يصدق عينيه..متى رسمت كل ذلك ؟..وكيف؟..إنها شخصيات من الواقع ، لكنها ليست هى الواقع ..بنات يطرن فى السماء ، شعورهن المسترسلةترفرف كالأجنحة ، طيور وخيول وأشجار تتعانق مع بنات أخريات ، فتشكل عالما يملأه الحب والسلام ، خطوط ناعمة رشيقة ، بالوان مائية ناصعة وشفافة كقوس قزح ، توحى بأسطورة أو حلم!

واكتشف نذير انه أمام كنز من الموهبة ، كنز دفين لا يحتاج إلا إلى كشف الغطاء عنه ، وإلى إتاحة الفرصة له للانطلاق ، وأدرك أن هذا الإشراق الذى كان يلاحظه فى وجهها وتلك البسمة المضيئة فى عينيها ، وذلك التحفز الملهوف الممزوج بالفرحة كلما رأته وهو يرسم ، ليس إلا محاولة الموهبة الفياضة للإعلان عن نفسها ، بل أيقن أن مصيره ارتبط بمصيرها.

طلبها للزواج ،فوافقت والفرحة تزغرد فى عينيها ، وفى نفس الشقة الصغيرةالتى يسكنها الطالب المغترب عاشا حياتهما المشتركة ، وشقا طريقهما معا فى رحلة كفاح ممتعة وهو لا يزال طالبا بالكلية ، لم يحاول خلالها القيام بدور أستاذ الفن بالنسبة لها ، فإن ما تعلمه خلال دراسته لا يصلح لمثل هذه الموهبة ، لأنها تستقى رؤاها الفنية من خزينة ذكرياتها وأحلامها ، ومن بللورة خيالها الطفولى الحر ، ومن فطرتها العفوية وليس من قواعد الرسم التقليدية ، مثل أسس التشريح والتجسيم والتصميم والتوازن.

وعاد نذير إلى سوريا عام ١٩٦٤ – بعد أن أنهى دراسته – مصطحبا شريكة حياته شلبية ، حيث عين معيدا بكلية الفنون الجميلة بدمشق ، وقدم شلبية إلى الحياة الفنية بكل اعتزاز ، فشاركت فى المعارض الجماعية ، وأقامت بعض المعارض الفردية ، غير معارضهما المشتركة ، وأنجبا – غير الولد والبنت – مئات اللوحات التى شدت إليهما الانتباه ، كل بأسلوبه الخاص .

وفى عام ١٩٧١ أوفدت جامعة دمشق الفنان نذير إلى باريس لاستكمال دراساته العليا ، فاصطحب معه شلبية ، وقضيا هناك أربع سنوات، أقاما خلالها العديد من المعارض المشتركة والفردية فى مختلف العواصم العربية والأوروبية ، وعادا إلى دمشق ١٩٧٤ ليواصلا الرحلة ، ضاربين المثل كثنائى رائع فى الإبداع والسعادة الزوجية على السواء.

وهكذا استطاع الإيمان والموهبة والحب أن تحقق معا العناق بين ابن بردَى وبنت النيل، وأن يجتازا كل الحواجز فى طريقهما ، وأن يجعلا لكل من الفنانَيْن مكانة رفيعة فى الحركة الفنية والسورية العربية ، استحقت الإشادة بها بأقلام كبار النقاد والفنانين.

فماذا عن العالم الفنى لكل منهما ؟..هذا ما سنستكمله فى العدد القادم.

أناشد من يحتفظ لأولاده بأعداد مجلة العربى الصغير أن يرسل إلىٌ الجزء الثانى المفقود من المقال والذى نشر بعدد شهر أغسطس ١٩٩٨ بدولة الكويت وله جزيل الشكر

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »