لعبة الحياة…

وبطلتها المرأة..

23 مارس 2019

 

سيدات كثيرات فى مصر دخلن ساحة الحركة الفنية من باب الهواية والشغف لا من باب الأكاديميات والشهادات ، وقليلات منهن استطعن الاستمرار والتميز الابداعى بقوة دفع ذاتية ، وبالقدرة على توظيف الموهبة من أجل الفوز فى مضمار منافسة مثيرة وممتعة مع الفنانين
من هؤلاء ؛ الفنانة ايمان حكيم ، التى قدمت فى معرضها الاخير بقاعة المشربية بالدقى آخر تجاربها الابداعية ، محتشدة بطاقة تعبيرية حرة وأسلوب يسعى لبناء عالم خاص ولغة متفردة ، وهما غاية أى فنان.
الخصوصية هنا وليدة تراكم الخبرة واستمرار الدأب الذى تميزت به ايمان عبر مسيرتها بعصامية ومجاهدة من اجل امتلاك أدواتها الخاصة تقنيا وتعبيريا ، ولا تقتصر عصاميتها ومجاهدتها على مواجهة المشكلات المهنية التى يتعرض لها من لم تتوفر لهم الفرصة للدراسة الأكاديمية وتلقٌى الأسس التقنية من خلالها ، وتحدى التصنيف الفئوى الشائع بين أكاديميين وأحرار ، بل الأهم ؛ هو التحدى لإغراء النجاح السهل لإرضاء الذوق التجارى ، ذلك الإغراء الذى يتعرض له أى فنان لديه مفاتيح الذوق المسمى بفن الصالون ، كلوحات مناظر الطبيعة المتأنقة ذات الطلاوة والزهور المنمقة والبورتريهات الناعمة بحس تسجيلى أو تزيينى سهل القراءة لأى مشاهد ، لا تعنيه المعانى العميقة والتعبير الجوٌانى أو الوجدانى بأساليب حداثية ، وهذه المواصفات التقنية متاحة لإيمان حكيم لو أرادت ، لكنها فى معرضها الجديد فضلت ارتياد الطريق الصعب ، بالبحث عن أسلوب تعبير مغاير وعن مضمون فكرى يخاطب عقل المشاهد وحواسه البصرية والنفسية معا ، فاختارت موضوعا لمعرضها هو “السيدة” عبر أوراق لعبة الكوتشينة ، واتخذت من ورقة”البنت”رمزا يثير أسئلة ملتبسة حول المرأة؛ كصورة جميلة فى لعبة الحظ ،أو كورقة فى لعبة الذكاء والمناورة ، أو كمحور فى صراع الحياة بين الولد والشايب والآس والكومى ، وفى كل الأحوال هى بطلة فاعلة ومؤثرة فى لعبة الحياة ، تملك مقدرة مستقلة لصنع الكاسب أو الخاسر فيها !
لكن تحقيق الابداع الفنى لا يتأتى ببراعة الأفكار وحدها ، إنما – قبل ذلك – بقدرة التقنيات التعبيرية للفنان على حمل الأفكار ، فكم من أفكار برٌاقة تسقط ميتة داخل اعمال فنية لا تتوفر فيها بلاغة الأسلوب واللغة التشكيلية وما تحمله من جدة ومهارة .
وإيمان حكيم فى معرضها الجديد تقطع شوطا مهما لامتلاك هذه اللغة ، باتخاذها الأسلوب التعبيرى بمسحة تأثيرية ، وبالعمل على تحليل الشكل الواقعى وإعادة بنائه بدرجة يسيرة من التحريف ، تتماوج بألوان من عائلات لونية مختلفة ، دون التزام باللون الأصلى لكل عنصر فى الطبيعة ، حيث تعى الفنانة أن هذه العناصر – قبل وبعد كل شىء – مجرد أشكال بصرية تستطيع تحريكها والتلاعب بها كما تشاء ، متحررة من قوانين الطبيعة الفيزيقية ومن قيود ولوازم الوصف والحكى بالمنطق العقلانى للأشياء ، مدركة أن الفن إيماء وإيحاء وليس مرآة للطبيعة أو الأفكار.
بهذا الإدراك تنسج الفنانة لوحاتها بتلقائية دون تصميم مسبق ، وتستعين بالصور والأرقام المستخدمة فى ورق الكوتشينة وتحركها وكأنها تتبادل الأدوار مع الشخصيات الإنسانية فى الواقع ، حتى يلتبس المعنى علينا أحيانا بين الحقيقة واللعبة ، وهذا التماهى الرمزى بين المعنيين يقابله تماهى آخر للألوان فى بعضها البعض ،فلا نكاد نرى لونا صريحا يفصح عن أصله ، إذ يتشرب كل لون مما حوله من ألوان ساخنة أو باردة كما فى لعبة الحياة .
غير ان هناك ما يعوق هذا التماهى لديها ، متمثلا فى الخطوط السوداء التى تؤطر الأشكال والملامح بقوة ، مما يؤدى الى تأكيد واقعيتها فى حين أنها ليست واقعية بل هى لعبة مراوغة بالخيال والكناية ، وكان الأفضل أن تبقى الخطوط عنصرا يزيد حالة التماهى تلك ، وليس معوقا لها ، إضافة الى أن أوراق الكوتشينة المبعثرة او المنتظمة كانت تسمح – عبر التلاشى والتماهى فيما حولها – بإضفاء لمسة تكعيبية خفيفة على أسلوب الفنانة تضيف قدرا اكبر من المخاتلة ، لو لم تقم بتحديدها بالخطوط السوداء المباشرة ، ولا يعنى ذلك ان يقتصر أسلوب التداخل والتلاشى بين العناصر على لوحات هذا المعرض فحسب ، بل يمكن ان يصبح سمةجمالية لأسلوبها ، تضفى عليه درجة من الغموض والمراوغة البصرية المحببة للنفس ، فتستدعى لدى المشاهد درجة موازية من الخيال فى حواره مع اللوحة.
واخيرا فإننى ألاحظ أن عادة الثرثرة المرتبطة بطبيعة المرأة قد تركت أثرها على كثير من اللوحات ، فى شكل استرسال الفنانة فى سرد التفاصيل بالخطوط الكثيفة ، ما أدى الى شدة الازدحام ، بينما كانت أنجح اللوحات هى التى اقتصرت على البورتريه او الشخص الواحد الذى يحتل التكوين بكامله ، وإن شملت اللوحة بعض التفاصيل .
لكن ذلك -على اى حال – لم يأت على حساب طاقة الحيوية المتدفقة بالحس التعبيرى ، والمشعة بروح المرأة ، وهى تمارس – بمهارة – لعبة الحياة !
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »