لماذا أكتب عشرة رسائل إلى عزالدين نجيب الناقد الفنان

د/ رضا شحاته سبتمبر 2011

في البـــدايــــة .

سؤال لا إنسانى يطرح ..

س. لماذا نكتب عن عز الدين نجيب ؟ الناقد الفنان .

والإجابة : أنني أكتب عن تجربة إنسانية شديدة الثراء ، وعن إنسان مفعم بالوطنية والحرية ، أكتب عن رحلة عبور عزالدين نجيب للصحراء هذا الرجل الحى الذى ترك أثناء العبور ما يستوجب التذكار ، نكتب لنعزز الثقة بالناس في زمان الكذب والقبح ، نكتب للمطر ، للعدالة ، للخريف ، لرائحة المسك . ونحن نكتب لنعيش ونحيا .

السؤال للمرة الثانية .. لماذا نكتب عن عز الدين نجيب ؟

الإجابة الأقرب إلى نفسي الآن تتعزر من كلمات الشاعر محمد سليمان ..

– قد لا أتــفق مــــعك ..

– قد لا أشبهك تــماماً ..

– قد أبدو في الناحية الأخرى محجوباً عنك وأعمى ..

– لكن أعدو بحثا ًعنك .

– وأكتــب لأحييـــــك .

هكذا أتحدث عندما يسأل عز الدين لماذا تكتب عني ؟

أكتب لأن فكرة الكتابة تطهرني من همومي الخاصة وأنا في الغربة ، بعيداً عن الوطن والكتابة عن البشر ، تمنحني الطمأنينة في العيش ، وتعطيني روحاً جديدة ومدداً للحياة .

وأريد أن أبوح باعتراف هام وهو، أن هذا التوجه في الكتابة عن الناس تأكد عندي بعد توقفي عن إنتاج الفن في الساعة الخامسة يوم الخميس شهر (5) عام 2005 م تاريخ وفاة صديقي وأخي الفنان د.محمود عبد العاطي .

أشعرتني الوفاة بعبث الأقدار .. وبضرورة التوقف لإعادة صياغة أولويات الحياة .. إذا ً فليس ثمة شيء يربطني بالحياة ويجعلني سعيداً سوى الكتابة الإنطباعية ، والبحث الأكاديمي ، فهو مهنتي الحقيقية ودائرتي الخاصة .

السؤال : للمرة الثالثة .. لماذا أكتب عن عز الدين نجيب ؟

والإجابة : أكتب عنه لأنه ناقد هام ، هو الأكثر أصالة والأكثر جسارة والأكثر تمرداً ، وهو الشخص الذي لم يتخلى عن خطابه النقدي المقاوم للسلطة ، وهو الذي لم يتخلى في كتاباته عن قيم الحرية ، العدالة ، والثورة يوما ما .

أكتب عنه لأنه شخص مفعم بحب الناس اللي تحت ” كناسة الدكان ” ، الكتل الهائلة من البشر الغلابة العمال والفلاحين ، فقراء المدن والعشوائيات ، الموظفين والمهمشين ، تلك الطبقات التي تحمل روح الوطن ورائحة الحياة .

وفي نهاية هذه المقدمة أريد أن أسجل بعض الملاحظات الهامة التي تؤرخ لهذه الرسائل وتحددها وهي :

ملحوظة (1) : لقد كتبت إنطباعاتي عن عز الدين نجيب ولا أعرف بصدق كيف تكاثرت حتى وصلت إلى عشرة رسائل ، كتبت أغلبها في آخر الليل أمام نشرات التلفزيون ، بدأت الكتابة بتاريخ (9) يناير 2011م يوم إفتتاح معرض عصفور النار بأتيليه القاهرة ، وانتهت فجر يوم (22) يناير 2011 م عندما أعلنت مذيعة قناة الجزيرة ليلى الشيخلى ، على الهواء مباشرة هروب ” بن علي ” وانتصار ثورة الشعب التونسي العظيم .

ملحوظة (2) : هذه الأنطباعات التي أسجلها في عشرة رسائل عن عز الدين نجيب هي قراءة متواطئة ومتحيزة إلى هذا الإنسان الذي يجذبنا إليه كنداء المجهول .. هذا الراوي الذي أمضى عمره الخصيب يجوب الصحراء مكتشفاً للأبطال ، يروى سيرتهم ويتغنى بشجاعتهم في الكتب والجرائد والدوريات .. وهو واقف خارج الحدوتة يتأمل كل الناس ، يا أصدقائي الكتابة عن هذا الرجل الآن شاهد وشهادة .

 

ملحوظة (3) : الرؤية النقدية .. التى أطرحها فى الرسائل العشرة محدودة بمجموعة أعمال للفنان عزالدين نجيب ، أنتجت عن الواحات المصرية فى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية ، وبخاصة عن معرض “همس الجدران ” عام 2005 م .. والرؤية فى مجملها ..أكرر .. ليست محايدة  ، فالقراءة البريئة للنصوص البصرية خرافة .

ملحوظة (4) : هناك العديد من القراءات لكتاب أحترمهم كانت موازية أثناء كتابة هذه الرسائل ، وكان طيف هؤلاء البشر من بعيد يلازمني وأنا أكتب وهم ” محمد الماغوط ، بولوكاهلو ، فاروق شوشة ، نجيب محفوظ ، بهاء طاهر ، عبد الوهاب المسيري ، زياد الرحباني ، إبراهيم الكوني ، عزت بوجوفيتش ، غاستون بشلار , أدونيس ، دفيد هارفى “.

ملحوظة (5) : إن عملية التنقيب أثناء رحلة العبور لصحراء عز الدين نجيب كشفت لنا عن عشرة رسائل روحية تأخذنا من حالة الواضح الجلي ، إلى الخفي المحتجب ، وهي على النحو التالي ..

– الرسالة الأولـــــى : عز الدين نجيـــب ، الإنســــان والفنـــــان .

– الرسالة الثانيــــــة : شهادات حية عن عز الدين نجيب الإنســان.

– الرسالة الثـــــالثـة : عز الدين نجيب كواحد من جيل الستينيات .

– الرسالة الرابـــــعة : الكتابة كفعل مقاومة عند عز الدين نجيب .

– الرسالة الخامسـة : الناقد الكاتب عز الدين نجيب .

– الرسالة السادسة : روح الصـــــحراء في لوحـات عز الديـــن نـــجيب .

– الرسالة الســـابعة : البيت أو الكون الصغير في لوحـات عز الدين نجيب .

– الرسالة الثـــــامنة : المكان ، الخيال ، الذاكرة في أعمال عز الديـن نجيب .

– الرسالة التاســـعة : التشكيل بالنور في لوحات عز الدين نجيب .

– الرسالة العاشـــرة : الصمت وأصداء المكان في لوحات عز الدين نجيب .

وأخيراً .. هذه القراءة لفضاء التجربة الإبداعية لعز الدين نجيب الفنان والإنسان هي إجتهادات إنطباعية قابلة للصواب والخطأ ، وتهدف إلى كشف الغطاء عن المياه الغيبية المتحركة في صحراء النفس لعز الدين ، والتي تقدم نفسها لنا كسر مغلق ، طلسم , في حاجة إلى الإكتشاف .

د . رضا شـحاتة أبوالمجد ..


الرسالة الأولى : الإنسان عز الدين نجيب .

عز الدين نجيب ” قيمة ” فهذا الرجل نختلف معه أو نتفق .. ولكن علينا أن نعترف أنه لا يمكن أن يؤرخ إلى الحركة التشكيلية في مصر على مدار خمسون عاما ً، أو أكثر من نصف قرن دون أن يكون عز الدين واحداً من العلامات البارزة فيها كناقد وفنان ، وصاحب مشاريع ومبادرات وطنية هامة .

إن متابعة بعض المحطات الهامة التي مر بها في حياته والتوقف عند بعضها يمكن أن يلقى بعض الضوء على ملامح وجه هذا الإنسان .

المحطة الأولى : بـدايــــــات ..

يقول محمد إبراهيم أبو ســنة :

من الذي إغترب .. وأغلق الفضاء خلفه ، وأمطرت في عينه السحب .

الحديث دائماً يبدأ بالإنسان فمن هو هذا المغترب .

إنه .. محمد عز الدين نجيب ، إبن مشتول السوق ، محافظة الشرقية ، ولد عام 1940 م وجاء إلى القاهرة متوجساً كأبناء الأقاليم ، حيث الحيطان والأقفال والأبواب ، ولكن ما لبس أن عشق المكان ، الشوارع والميادين ، بعد أن عرف المقاهى والوراقين واغتسل بماء المطر والحرية ، وتشرب ثقافة الستينيات ، حيث الفكر المتحرك والوعي المتموج وعنفوان الشباب .

– تخرج عز الدين نجيب من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة قسم التصوير عام 1962م ، وإلى خروجه إلى المعاش كوكيل وزارة لمراكز الحرف التقليدية والتشكيلية عام 2000 م ، وما بين التاريخين وإلى الآن رحلة طويلة من الكفاح المشرف موصولة بالجهد والعرق ، ولسنا الآن بصدد الوقوف عندها فهي كبيرة وعميقة ، وتسجيلها يحتاج دراسة جادة .

المحطة الثانية : الموقف من الناس والبسطاء في الحياة .

نحن هنا أمام مثقف دائم البحث عن المعنى العميق للأشياء ، دائما ًما ينحاز إلى الإنسان البسيط وحقه في العدل والمساواة “عز الدين ” ماباع الخيال فى دكاكين النضال ، فهو الشاب الحالم في الستينيات بتوزيع

الخيرات . كما يتوزع نور الشمس وكما ينتشر الهواء على الفقراء والمسحوقين، ودفع ثمن رؤيته هذه فاعتقل أكثر من مرة . وهو في هذا صادق مع ثورة يوليو التي آمن بها والتي نادت بالقضاء على الفقر ، والجوع والمرض . وفى هذا السياق أتذكر أغنية لزياد الرحباني تقول إفتتاحيتها .

أنا مش كافر

أنا مش كافر .. بس الجوع كــافر .

أنا مش كافر .. بس المرض كافر .

أنا مش كافر .. بس الفــــقر كافر .

أنا مش كافر .. بس الــــذل كافر .

لكن شو بعملك .. إذا اجتمعوا فيّ كل الأشياء الكافرين .

أنا مش كافر ..

إذاً عز الدين نجيب في شبابه وإلى الآن كان دائماً وما زال مع الناس اللي تحت ، هو يؤمن دائما ًبأن التغيير والثورة في الفن لابد وأن تأتى من ميراث الناس

الغلابة .

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا أن عز الدين نجيب يؤمن بأن صانع اللعب

الشعبية .. هذا الفنان الحرفي في مولد سيدي أبو العلاء ببولاق ، على ضفة النيل ، هو أكثر شعبية وإنتشاراً وإفادة لمجتمعه ، من فنان يعرض بمجمع الفنون على الضفة الأخرى لهذا النيل ، فالحرفي الفنان هوالأكثر تأثيراً في ذوق الأطفال والعامة من الناس .

المحطة الثالثة : عصفور النار ..عز الدين نجيب .

عز الدين نجيب هو شيخ المقاومين إلتبست به حكمة الزمن ، فأعطته رؤية خاصة للحياة وللكون ، موصولة بالتجدد الدائم .

إنه كحبة الحنطة التي لا تموت إلا لتبعث من جديد ، وهو فى هذا الصدد شبه نفسه بعد حريق مرسمه في فجر (17) ديسمبر عام 2010م بأنه طائر الفينيق الذي يولد ثانية من رماد الحريق في هذه الليلة ، قدم لنا نجيب درساً هاماً في الحياة والإيمان بالمكتوب ، فكلامه عقب حريق مرسمه وأرشيف حياته ، صاغ لنا من وسط النار أملاً ، ومن عتمة الليل وعداً بفجر جديد ، إنة يفتح في داخلنا وسط الظلمة باباً من نور .

يقول أدونيس في أماكن متفرقة من قصيدته الطويلة البعث والرماد عام 1958 م .

فنــــــــيق يـــــــا فنــــــــيق

يا طائر الحنـــين والحريــق

…………………………

فنــــيق فلتـــبدأ بك الحرائق

لنـــــــــبدأ الشــــــــــــقائق

لتبــــــــــــدأ الحيــــــــــــاة

…………………………

فنـــــــــــيق يــــا فــــــــيق

تلك لحظة إنبعاثك من جديد ..

في هذه اللغة المسكونة بالتواضع والمشحونة بالكبرياء يتماوج عز الدين نجيب بين النيران ويتسلل إلينا من خلال مرآة أدونيس مرة أخرى فيقول :

مـــــــــــثلك يا فنيـــــــــق ..

يا حصـن الربيـــع واللهب ..

يا طــير الوديع كالتــــعب ..

يا رائــــــــد الطـــــــــرق .

هذا الرجل في حياته شيئاً يجب أن يقال فهو من آن لآخر يطل علينا بلمحات

إنسانية ، إكتسبت عبر الزمن تجاعيد الحكمة وشجن الحياة.

د . رضا شحاتة أبوالمجد ..


 

الرسالة الثانية : شهادات صغيرة من الحياة عن عز الدين نجيب ..

 

في هذا العالم وجوه وأشخاص إذا قابلتها مرة واحدة لا تنساها ، فتطبع بالذاكرة وربما إلى الأبد ، والناقد عز الدين نجيب واحد من هؤلاء الناس .. عرفته منذ فترة طويلة ، ولم أتقابل معه إلا نادراً ، آخر صلتي به هي عبارة وضاءة تركها لي في أوتوجراف معرضي ” أشياء لاتشترى ” عام 2004م ، دوًن فيها مايلى ..

عزيزى الفنان , د . رضا شحاتة .

إستمتعت كما هى العادة بمعرضك الجميل .. كنت أتمنى وأن أحصل على بعض صور الأعمال ولم يسعدنى الحظ سوف أكون شاكرا لو تركت لى عددا من هذة الصور بجمعية أصالة بالأزهر (27 ش محمد عبدة بجوار منزل الهراوى وزينب خاتون ) ت ………….. مع تمنياتى بالتوفيق .

عزالديـــن نجـــيب

موبيل …………………

12/ 8 /2004

وكالعادة .. لم أذهب بدون سبب .

والآن عندما أكتب لمحات إنسانية صغيرعن هذا الرجل فأنا أطارد طيفه في أعماق الزمن البعيد ، في الذكريات ، وهذة المسافة الممتدة من السنين أعطتني حرية البوح والكتابة ، في تسجل شهادتين من شخصيتين لهما رصيد عميق من الحب فى قلبى كبير, دون الشعور بوجود شبح الرقيب على ما أكتب .

الشهادة الأولى : للمرحوم الدكتور الفنان .. محمـــــود عبد العـــــاطي .

الرجل والإنسان أخى الذى فقدتة فى الغربة , فلنقرأ لة فاتحة القرآن .

مشــــــــــهد ..

في مساء يوم الخميس ووحشة الليل الشتائية حط المساء ، وأطل من فوق الرؤوس قمر الغربة على مقهى الرصيف بحى المباركية ، وحين تدق الساعة الثامنة كانت مدينة الكويت تنام وفى هذا التوقيت الرفاق يبدأون رحلتهم الليلة .

فى ركن من أركان المقهى الصمت يسود المكان ، والضوء يترجرج ويتسكع بين فراغات الأشياء ، ومن بعيد يأتي صوت أم كلثوم .. يذكرك بالغربة وبالحنين والشجن إلى مصر ..

– الصوت يتكرر .. وفيض من المشاعر يغمرني يغمرني ..تقول الست .

أنا لن أعود إليـك مهما اســترحمت دقات قلــبي .

أنت الذي بدأ المـلامة والصــــدود وخان حـبي .

فإذا دعـوت اليــوم قلبي للتصــافي لا لن يــلبي .

كنت لى أيام كان الحب لى أمل الدنيا ودنيا أملى .

في الغربة في الليل ليس لنا إلا الحكايات , الأخبار , الأشعار والذكريات ، ومع براد الشاي ورائحة القهوة التركي ، والأكواب الصغيرة كان صوت الفنان ..محمود عبد العاطي . يبوح بالآمال والهموم التي تنهمر مع قطرات المطر في الخارج وكأنة قداسا شجيا ، وفي ثنايا الحديث عرجنا إلى حركة النقد المعاصر في مصر وسألته سؤالا ًمباشراً ..

ماذا تعرف عن عز الدين نجيب الإنسان .. يقول الدكتور” محمود ” هو إنسان جاد ، صلد ، شائك ناقد كبير يتمنى أي شخص في الحركة التشكيلية أن يكتب عن أعماله ، ويضيف بعد صمت ..”عز الدين” على المستوى الإنساني شخص صريح لا يعرف المجاملة ، لا ينتظر النياشين ، يحب المعارك بجد .. يمتلك إحتياطي عالي من القدرة على المقاومة وعلى الإتصال بالحياة ، قادر على الإشتباك بالحياة معها وفيها ، إنتهى الكلام في تلك الليلة , وإنزوت الأصوات وعند إنتصاف الليل رحلنا وذهب كل فى طريق وفي العربة إلى المنزل لم أجد معي إلا الصدى .. الصدى ..

فالشوارع في آخر الليل تمتد ، تمتد وينتهي الطريق .. وتتوقف الذكريات .

الشهادة الثانية : للفنانة الكبيرة المرحومة .. عفــت نـــاجي .

عفت ناجى زوجة أستاذي المرحوم سعد الخادم . الذى علمنى أسرار الحياة. وكنت الطفل والتلميذ المدلل له .

وعفت ناجي كإنسانة هى شاعرة رقيقة تكتب بالفرنسية والعربية وأحتفظ لها ببعض الأصول من قصائدها .. وهى فى الشهادة تملك مشاعر ضريرة كالعدالة معصوبة العينين ، فهي لا تعرف المجاملة ، أحكامها قاسية .. لا ترى الأسماء أو الألقاب ، بل ترى الحقيقة فقط ، وهي صريحة إلى درجة الإحراج .. كنت افتخر دائماً بأنني واحد من القلة التي تثق بهم .

المشــــــــهد ..

أتذكر الزمان في منتصف شهر يونيو عام (1992) تقريباً في وقت العصر ، وعلى جلسة شـاي لمتابعة تحويل الفيلا إلى متحف تابع لوزارة الثقافة ، ومع بروتوكولات الجلسة المنظمة حول تربيزة تحمل صنية من النحاس عتيقة ومع الملاعق الفضية الطويلة وأكواب البيشة الصغيرة والمناديل المطرزة والكراسى القديمة وخواتم الفضية الكبيرة التى تلبسها فى يدها ومع رائحة التاريخ فى المكان ، وضمن الأحاديث الصريحة التي تشبه أمطار الصيف التي تأتي فجأه وتنتهي فجأه ، طرح إسم “عز الدين نجيب” وبدون مقدمات قالت بلغتها العربية التي أحياناً لا أفهم تركيب الجمل فيها .. ” عز صادق ، جاد ، ملتزم ، وناقد كبير وضمير يقظ .. وهو واحد من أفضل مما كتبوا عن سعد الخادم .. وكلام أخر يفهم من معناه أن هذا الرجل لديه وعي غائر بالواقع والحياة ، ويعرف كيف يتعامل مع المستخدمين والبيروقراطية الحكومية “.

وانتهى الحديث ونزلت من عندها .. مضيت سائراً على الرصيف وصوت أحذية المارة خلفى واضحة ، وحلم الإعداد للسفر إلى الكويت في ذهني .. فبلادي الجميلة ترحل .. والقيم الجميلة ترحل .. يقول الشاعر ,أحمد مطر ..

نحن الوطن ..

وإنلم نعيش كراما ..

فلا عشنا ولا عاش الوطن ..

د . رضا شحاتة أبوالمجد ..


الرسالة الثالثة : جيل السيتينات وعز الدين نجيب .

“عز الدين نجيب” صوت من جيل ستينيات القرن العشرين لا يزال ينبض بقوة وحيوية ونبلاً وحماساً وغيرة وحمية ، صانعاً ربيعه في كل وقت ومفجرا ً إبداعه الجديد ليفاجئ به الناس والحياة .

“عز الدين نجيب” ، كان ممثلاً لجيل إستثنائي كانت أحلامه كبيرة في مرحلة تاريخية بالغة الأهمية والتأثير في تاريخ مصر ، تتميز بالتنوع والثراء والتعدد ، وتتدافع بحركات التمرد الشبابية التي تصبوا إلى التغيير ، هذا الجيل شكل حركة مقاومة ” كوزموبوليتية” وكونية أدت إلى تقويض المركزية الأوروبية والأمريكية .

وعندما إجتاحت هزيمة 1967 م هذا الجيل وطحنته بالمرارة بصورة تراجيدية ، لم تنكسر أحلام “عز الدين نجيب” ، ووقف صامداً في السبعينيات ضد سياسية الإنفتاح وكامب ديفيد ، والتصالح مع إسرائيل ، وفى هذا الصدد يقول امل دنقل ..

لاتصالح ……………………..

لاتصــالح على الدم .. حتى بدم !

لاتصــالح ! ولوقيل رأس برأس

أكل الرؤس سواء ؟

أقلــب الغريـب كقـلب أخــــيك ؟!

أعيناة عينا أخيك ؟!

وهل تتساوى يد .. سيفها كان لك

بيد سيفها أثكلك

لاتصالح ……………………..

وحينما إنتقل الناس من ضفة إلى أخرى ، لم يخون “عز الدين ” أفكاره والشعارات التي حلم بها ، وهو الشيء الهام والنبيل الذي يميزه عن الآخرين أصحاب الياقات البيضاء من الأفندية والوسطاء ، الذين باعوا الجنة للبسطاء , و يمارسون الآن عملية إعادة توجيه الإنشاء الإجتماعي للحياة في مصر حسب المنظور الغربي .

– عز الدين نجيب هو نتاج زمن المقاومة والاحتجاج والمواجهة من طلائع الشباب المتمردين ، الذي كتب بطريقة مغايرة القصة القصيرة في السنوات الأولى من الستينيات ، فظهرت له المجموعة القصصية ألأولى ” عيش وملح ” القاهرة

عام 1960 م ، والثانية ” أيام العز ” دمشق عام 1961 م ، ونشرت منها نصوص له مع رفاق الستينيات في دوريات مثل ” مجلة المجلة عام 1966 م ” ، مجلة الطليعة الصادرة عام 1969 ، ” جاليري 68 ” . ولعل أبرز الأسماء في هذا الجيل ، إبراهيم أصلان ، يحيي الطاهر عبد الله ، حسن محسب ، مجيد طوبيا ، محمود دياب ، عبد الحكيم قاسم ، زهير الشايب ، جمال الغيطاني ، محمد البساطي ، أحمد مرسي ، أحمد هاشم الشريف ، وغيرهم ..

وبالرغم من إهتمام عز الدين نجيب بالكتابة النقدية والتأريخ لحركة الفن التشكيلي بمصر ، إلا أنه لم يغادر دائرة الأدب ، وظل إخلاصه للقصة القصيرة حاراً ومتصلاً وهو ما يتضح من المجموعات القصصية التي أصدرها بعد ذلك ومنها : ” المثلث الفيروزي ” ، ” أغنية الدمية ” ، ” مشهد من وراء السور ” ، ونشرت ضمن الأعمال الكاملة له عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .

– لقد عرف عز الدين نجيب . أن الطاقة التي تحملها القصة القصيرة لا يستطيع التشكيل البوح بها ، وهي قادرة على بث رسائل مجازية قادرة على الوصول إلى شريحة جديدة من الناس ، متخطية الحواجز والعيون .

في نهاية الأمر :

عز الدين نجيب هو واحد من شهداء جيل الستينيات الذي دفع ثمناً غالياً في مرحلة التحول بالسبيعينات ، ففي الوقت الذي تخلى فيه الكثيرين عن إخلاصهم لمبادئهم ، أو لنقل إنشغلوا بأمور أخرى حققوا من خلالها ذواتهم ودوائر شهرتهم ، وقف هو مخلصاً لافكاره طويلاً ودفع ثمنها في مكابداته العميقة والمتعددة في سنوات الحياة .

لقد ظلم النقاد “عز الدين نجيب” وتجربته الإبداعية في القصة القصيرة ، فلم ينتبه إليها أحد بشيء من

الإهتمام .ولم يتم تناولها ضمن تجربة هذا الجيل . ولم يمنحوه صوتا يمكن أن يسمع .

د . رضا شحاتة أبوالمجد ..


الرسالة الرابعة .. الكتابة كفعل مقاومة للآخر عند عز الدين نجيب .

فى الصباح نقول .. صباح النور ..

ياأيها الناقد والكاتب .. عز الدين نجيب ..

نحن نرسل إليك بحكاية .. شاب مصرى عاش مائة عام .. فى القاهرة .

أصل الحكاية .. لى صديق خطاط خطر على بالى .. فتفجر قلبى بالشوق ذهبت إليه فى حى السيدة زينب .. فتح الباب .. رحب بى ومد يده ليصافحنى بقوة .. على الكنبة جلست وتربعت ..تحدثت معة عن بيت فى حارتنا ، كان دائما مغلق الأبواب والنوافذ .. وفى كل صباح .. يخرج منه شاب طويل بطربوش أحمر ..عاش مائة عام ولم ينحنى له ظهرا .. ولأن الشاب لم يخرج منذ ثلاثة أيام دخلنا المنزل .. وهناك وجدنا رجلا غريب الهيئة شبح يجلس على كرسى قديم ، على رأسه قبعة .. وعلى صدره نجمة .. وبجواره .. دفتر أخضر صغير .

قلت له .. من أنت ياسيدى ؟

فأجاب باستغراب وقال ..

أنا .. .. .. .. .. .. ..

ولم أنسى هذا الرجل أبدا .

قاطعنى صديقى وأخذنى من يدى ، إنطلقنا خارج المنزل .. مشينا إلى سيدنا الحسين لنشارك فى حلقة ذكر للشيخ عبد الجواد .. فهى دائما بعد صلاة العصر من كل يوم خميس .

وبمجرد دخولنا المكان ..نظر الشيخ فى وجهى بوضوح وقال .. هات الأمانة من مصر المحروسة .

قلت مستغربا ..ما هى الحكاية ؟

قال الشيخ عبد الجواد …أقل باب يحوش الكلاب .

سألت الشيخ الدعاء لى ، رفع يديه وقال بصوت عال .. ياواحد .. ياأحد الزرع أخضر والناس أخبر .

إنتهت الحكاية .. حكاية البيت المسكون .

نحن الأن أمام علامات هى فى حقيقة الأمر إشارات مجازية على وجود الشبح وهذا يعنى أن الغرب الآن يعيش داخلنا .. الغرب ياسادة ليس هناك كما كنا نعتقد ! الأخر فى البيت السكون .

فى الظهر .. نقول السلام عليكم .

يا أيــها النـــاقد والكاتب .

نعم .. نحن الآن أمام شيخ المقاومين للخطاب الإستعمارى الجديد .

أن الناس بالمثقـــفين قد كفــروا ، نحن فى أزمة .

أيها الناقد الكبير …

فى ظل هذه الحالة المعضلة ، وبعد تلك السنوات .. لازلت تحمل قلبا مشتعل بالرفض والغضب ، ومنجزك النقدى حى بيننا ..محتشد بالكثير من الوعى بدور المؤسسات الغربية فى توجيه تصورات الناس ، وتفريغهم من هويتهم .

نعم .. نحن الآن أمام شيخ المقاومين للخطاب الإستعمارى الجديد .

هذا الرجل .. يعرف أن الغرب يتعامل معنا كما لو كنا فضاء ، مدى إستراتيجي ، فراغ يجب ملئه بالبضائع والأفكار .. ونحن لا وجود لنا ، ولا هوية لنا .وهو يعتقد أن الأوروبي دائماً ما يحمل نموذجه المعرفي القائم على القوة والإستعلائيه .. وحيثما ذهب ينشئ عن قصد أو غير قصد في هذا الفراغ ما يسمى بالحالة الإستعمارية .

فى الصباح .. عثرت يوما على شيء هام معى أتحسس جيبى لأجد دفتر أخضر صغير فتحت الصفحات .. نظرت إليها عميقا لأقرأ يوميات شاب عاش مائة عام ..

السبت .. يناير 1960 ..

عزيزى عبد الرحمن .. هل تتذكر أيامنا الطاهرة فى الخمسينيات .. ذاك الزمن الجميل قد مضى وانقضى .

الأحد .. مارس 1975 ..

الست أم عزيز فى الشرفة ترنو إلى إبنها بلباسه الجينز مثل الخنافس .. وهو يرقص مثل جاكسون ويمسك فى يده زجاجة كوكاكولا .

الأربعاء .. مايو 1986 ..

يجلس عم عبد التواب على مقهى عطية بميدان الجيزة غارقا فى ذكريات الماضى .. بينما القاهرة تتشظى .. تتغير .. تتلوى مثل الفتيات فى فيديو كليب الشاب خالد وهو يغنى أغنيته الشهيرة (ددى) .

 

الخميس .. ديسمبر 2002 ..

على ناصية شارع منصور .. فتح محل وجبات أمريكانية (كنتاكى فرايد تشكن ) .. وانتشرت فى حارتنا الفهلوة ،واللوتارية ، والإباحية ، واللغة الشبابية الوقحة , وأختفت الزغرودة من بيوت الجيران .

الثلاثاء .. فبراير 2005

صديقى العزيز عبد الرحمن .. إعلم أننا أصبحنا نعيش عصر الصداقة السريعة .. عصر المحمول ومناديل الكلينكس .. وعلاقات الكلينكس . إننا الآن نرمى كل شىء .. القيم والأخلاق والذكريات .. نظر لى صديقى فى أسى ومضى .

 

الجمعة .. نوفمبر 2009 ..

أصدقائى الأعزاء ..أم سيدة الخياطة ، أنور أفندى ، عم حسن بائع الليمون ، محمد حسن خريج الهندسة العاطل ، أخى الشيخ محمد عبد التواب الملتحى الغاضب .. .. .. أشعر بالخوف .. من هذا الشاب الأبيض ذو البرنيطة الزرقاء ؟ .. إنه يطاردنى فى كل مكان مظلم .. أهرول الآن إلى المنزل .. أغلق على بابى .. ماأجمل النور .. ماأجمل راحة البال .

توقفت عن قراءة اليوميات والتزمت الصمت .وتذكرت هذا الشاب وطلعتة البهية وروائح الياسمين فى المكان .

ماذا تقولون بعد هذا الذى كان .

نقول بالرغم من هذا التلاشي أمام الآخر ، ووسط كل هذه الفوضى التي تموج بها الحياة في مصر ، ما زال هذا الرجل يمدنا بجسم كثيف من الكتابات النقدية تتسم بالإصرار على المقاومة .

هذا الرجل .. يعرف أن هناك إستعمار جمالي للمخيلة ، وأن النظام العالمي الجديد ينتج الثقافة والاقتصاد والقوة والتيارات الجمالية جنباً إلى جنب كأشكال جديدة من السيطرة , وأنة الأن تمارس عملية إعادة توجية الإنشاء الإجتماعى للحياة حسب المنظور الغربى .إنها عملية السيطرة على الإدراك .

عز الدين نجيب يملك ذاكرة حية .. مؤمن بأن فعل النقد هو فعل مقاومة ، ويؤمن أن الكلمة كائن حي في مثل هذه الأزمة التي نمر بها ، هي مفتاح الكون ، نجمة الشمال وبوابة الأمل .

على الجانب الأخر .. نحن أمام مجموعة من المثقفين تتوسل الغرب المقيم فى البيت المسكون . هؤلاء المثقفين .. من الأفندية والهوانم خضعوا لمنطق تملية سياسة القوة الناعمة , والقهر الغربى أو الواقع العملي بحسب إصطلاحهم , او ما يسمى ” ريالبوليتيك ” وهو مايعادل الخضوع والإستسلام وهو قول جبان نوعا ما ومضلل . نحن امام ناس تم غسلهم وتعقيمهم بأفكار الغرب وقد أطلق عليهم فى الجزائر “بوناووى” ..أى عبد الرجل الأبيض .

فى المســاء .. نقول مساء الخـير .

قال الطيبون من الناس ..

عز الدين نجيب الناقد .. يشعر دائماً بمتعة في الصدام مع السلطة فهو الثائر ، دائماً على الجهة اليسرى من المواقف .. يشعر دائما ، بحالة الخداع وبالمعرفة الشيطانية التي تقع بين الحقيقة والزيف إنها الحالة التي يصفها محمد الماغوط في الكلمات الآتية ..

لقد أعطونا السـاعات وأخـذوا منا الزمن .

أعطونــا البرلمــانات وأخــذوا الحريــــــة .

أعطونــــا الأراجيـــح وأخــذوا الأعيـــــاد .

أعطونــــا الأحـــذية وأخـذوا الطـــــرقات .

أعطونا الحراس والأقــفال وأخذوا الأمان .

أعطونــــــا الثـــــوار وأخــــذوا الثــــــورة .

هذا الرجل يؤمن بأن المقاومة بالكتابة وبالتذكر الدائم .. فعل ، ومن ثم علينا أن نجهد ذاكرتنا طالما أن الهيمنة تمحو الذاكرة إن ما يقوله الآخر هراء ، ما يهم ما نقوله نحن .. ما نبدعه نحن ، علينا أن نقاوم بالكلمة بالتذكر .. فالتذكر في نهاية الأمر .. وجود .

أيها الشيخ .. قل للناس إن عليهم أن يتجددوا أو يولدوا من جديد .

د . رضا شحاتة أبوالمجد . ..


 

الرسالة الخامسة : النـــاقد ، الكاتــب عز الدين نـجيب .

عز الدين نجيب هو أحد كبار حركة النقد المخضرمين ، ويعد علامة هامة على طريق الكتابة النقدية التي رصدت بوعي فجر حركة التشكيل المصري الحديث .

وإذا استعرضنا ، بعض العناوين من المؤلفات الإثنى عشر, التي أنجزها عز الدين نجيب ، كمؤشر له دلالة عن الأفق الفكري الذي ينحاز إليه في الكتابة ، نجد أنها تندرج تحت العناوين الآتية :

” فجر التصوير المصري الحديث 1985 م ، التوجه الاجتماعي للفنان المصري المعاصر 1998 م ، أنشودة الحجر 1999م ، فنانون وشهداء 2002 م ، الإبداع والثورة 2003 م ، فنون الشعب بالمشاركة ، 2008 ، والأنامل الذهبية 2009م”.

واضح أن “عز الدين نجيب” أراد من خلال هذه العناوين أن يعبر عن إتجاه ما ، وهو ليس بريئاً في اختيار الأسماء ، فالعناوين تمجد فكرة الثورة والمقاومة والإستشهاد ، وتؤكد على الوعي بالذاكرة الوطنية في مواجهة الآخر .

من الواضح أن العناوين هنا تؤكد أن هذا الكاتب خارج عن الصف بلا ريب ، هذا الكاتب شارد منفرد ، وهو في الكتابة النقدية دائماً مشتبك مع دائرة الثقافة الغربية لتعرية بربريتها وعنصريتها ، والكشف عن السياق الإمبريالي الجديد لها من الخضوع والسيطرة ، وفى دائرة الداخل كان يكتب ” أن أوطان الطغاة لاتمنح الناس سوى القهر والذل والفاقة ” . إنة يفكرنى بحالة البراءة ” لميجيل سيرفانتس” مبدع رواية ,” دون كيشوت ” الفارس الذى يضرب وجه الليل .

إن كتابات “عز الدين نجيب” تحمل عاطفة مشبوبة بالرومانسية القومية ، والجرح الإستعماري . وأعتقد أن الرواية العربية جسدت هذا الهاجس من خلال الترميز المكشوف ، وليس من قبيل المصادفة أن أتذكر عز الدين نجيب وكرهة للقيم الغربية مقروناً في ذاكرتي ” بمحسن ” البطل الروائي الشرقي ، في رواية عصفور من الشرق ( 1938 ) . لتوفيق الحكيم . الذى جسد هذا الكره فى صورة “سوزى ديبون” عاملة شباك تذاكرمسرح الأوديون فى باريس الغادة الشقراء تلك الفتاة العوب الجميلة الغانية المادية التى لاقلب لها أو ضمير التى لايعنيها إلا نفسها واستعبادها لغيرها .

وأخيراً : إذا كان لكل إنسان بعض الملامح التي تميزه عن غيره في الكتابة وتجعله مختلفاً ، فإن أهم ما يميز عز الدين نجيب هو البيان في اللغة ، بساطة الأسلوب ، وتدفق المعاني كما تدفق النهر ، فالكتابة بالنسبة له فعل صدق ومجاهدة وسؤال مستمر عن الحقيقة ، وإسمحوا لي أن أتكلم هنا بإيجاز عن إستخدام “عز الدين نجيب” أنساق لغوية فصيحة من الكلام اليومي ، تتيح التواصل مع طبقات عريضة من المجتمع بما فيهم الناس البسطاء ، وهو في هذا يكون قد بشر بنوع جديد من الخطاب النقدي ، وأعاد للعربية بعض بهائها المفقود واستعاد بنية لغوية ملغاة من إهتمام حركة النقد التشكيلى المشغوفة دائما بلغة الإصطلاح الغربى ، التي لم يعرها أحد في المجتمع إنتباهاً كبيراً ، وأحدثت قطيعة معرفية مع الناس .

على الجانب الأخر هناك مجموعة من النقاد باعت “الكولا” إلى سيبوية ، منهم كتاب الرطانة الغامضة ، الذين ينتظرون وصول المصطلحات الكبيرة من الغرب هذه النخبة من النقاد والمثقفين الذين يحملون قلب من طين ، الذين يمثلون أدوار الخدم الصامت فى الروايات الكلاسكية الإنجليزية , تشعر الناس بأنهم غرباء في أوطانهم ، فهذه المعرفة النقدية التي يبشرون بها هي التي صنعت الفراغ القاتل ، الشرخ الحقيقي بين الفنان والمثقف ورجل الشارع البسيط وفى النهاية لا شئ يبقى من حركة النقد غير .. الصمت والسواد .

د . رضاشحاتة أبوالمجد . .


الرسالة السادسة : روح الصحراء في أعمال عز الدين نجيب .

إكتسب عز الدين نجيب من الصحراء صفات تتجاوز الملامح وتتجاوز المظاهر ، ويمكن القول دونما خطأ أنه إكتسب روح الصحراء واكتشف لغتها السرية ، وعندما نبدأ برحلة مجهولة داخل هذا الفنان والإنسان علينا أن نبدأ من المركز ، من قلب الدائرة تماماً .. الصحراء حيث يستمد كل شيء منبعه ومعناه الحقيقي .

الصحراء كائن حي له روح ، بحر شاسع ، إطار فارغ ، أمواج من الكثبان الرملية على المدى الكوني المتسع واللانهائي ، في الصحراء يتدفق الماء من الينابيع ، من الأعماق تطفو على الوجه جزر خضر من الواحات كأنها الجنات .

الواحة كمكان هي نقطة تماس بين المتناقضات ، الجدب والخصب ، عطش يميت وماء يحيي ، قسوه ولين ، شمس وظل ، نور وظلمة ، أن تخرج من الواحة يعني أنك تتوجه إلى المجهول .. إلى المكان الخالص في الصحراء .

يقول شيخ طويل ذو طربوش أحمر .. يا عز الدين .

الصحراء وجدت لنعبرها .

الصحراء خلقت صحراء لتعلمنا ثقافة التخلي .

الصحراء ولدت صحراء لتستدرجنا إلى متاهاتها .

والواحات ، شراك الصحراء لإصطياد البشر .

يستدرج الإنسان إلى الصحراء ليصل إلى الواحة المكان الذي لابد وأن ينتهي إليه كل عابر سبيل أخذ على عاتقه رسالة إسمها العبور .

أن تكون وسط الصحراء ، يعني الرحيل الدائم ، فالرحيل طلل الصحراويين وقدرهم . الصحراء شيء سري ، نداء المجهول الذي يتغلغل في أعماق عابرها كالجني يلتبس به حاملاً أساطيرها وطلاسمها .

عندما سافر عز الدين نجيب إلى الواحات عابراً للصحراء لم يكن ذاهباً للبكاء على الطلل ، ولكن ذهب باحثاً عن الحقيقة ، عن الوجود عن طاقة الماضى فى الصمود والمقاومة عن الأشياء الخالدة ، ذهب هناك ليتقلى رسائل سرية ، من ثقافة بعمر الصحراء .. وعمر الصحراء طويل جداً.

ذهب عز الدين إلى الواحات كعابر سبيل لتحقيق أسطورته الخاصة ، يقول الشيخ ذو الطربوش الأحمر .. يا صديقي إن السابلة لا يعبرون الصحراء المجهولة إلا إذا كانوا ضالين مثلنا . عابر الصحراء ” مريد ” ومن يرى وجه الصحراء الحقيقي يفقد الوعي والمكان والذاكرة ، إنه التائه المجذوب ، وأعتقد أن عز الدين نجيب ندهت عليه الحوريات في الواحات وضاع هناك .

يقول الشيخ ذو الطربوش الأحمر .. من يتوغل يا صديقي في الصحراء لا يستطيع الرجوع للخلف ، إنها رحلة في إتجاه واحد . إلى الأمام والباقي على الله ، فكل شيء هناك مقدر ومكتوب .

لقد سافر عز الدين نجيب بعيداً عن المدينة بحسها المادى ليتوحد مع المكان الحقيقي في الصحراء ليتمثل روح الرحمة السارية في الواحات ، مظنة التناص والتساكن مع الكائنات والأشياء ، وعندما نرتحل مع الذكريات عند عز الدين ونستعيد هذا المدى اللا متناهي من الأحداث والأشياء الصغيرة التي يحملها في مرايا الخيال نتوقف عند :

” البيوت القديمة ، لون الحوائط في ضوء الغروب ، الأبواب المغلقة من عدة سنوات ، رائحة الندى في الرمل، مساقط الضوء في الدروب الضيقة ، الرياح والغبار الذي يأتي من بعيد ، رائحة الخبز الطازج ، صوت الحليب وهو يتدفق في الأواني النحاسية ، قهوة المساء والصباح ، رائحة الدخان والصبار ، والسماء القريبة المرصعة بالنجوم اللامعة “.

كل هذه التفاصيل هي التي شكلت جسراً بين عز الدين الإنسان وذلك المكان ، الذي شكل في الذاكرة مناخاً كاملاً من عالم خيالي نلمحه في مفردات التشكيل .

نتوقف مرة أخرى أمام بعض التفاصيل الصغيرة فى الواحات المصرية .. رائحة المسك والعنبر في المكان ، صدى طبل الصفيح في أيدى الأطفال ، القمر الوضاء ، الزهور الشيطانية الصفراء التي تفوح منها رائحة الجنان ، ننظر في الجو فنرى الشمس .. وصقرين يحلقان علياً في السماء .

كل هذه التفاصيل الصغيرة تشبه الخيوط التي إلتفت على روح عز الدين لتجعلها في أسر دائم ، هي سطوة الصحراء، التي يصعب على الإنسان أن يتحرر من روحها ثم من سلطانها بعد ذلك ، إنها القوة العاتية التي تعيد صياغة الأشياء وفقاً لقوانينها .

والراصد لعز الدين الإنسان والفنان ، يجد أنه تعلم الدرس جيداً ، إلتزم بشريعة الصحراء واستلهم استراتيجياتها في الفن والحياة ، فهو يتخلص من كل شيء زائد .. من الأضواء ، الألوان ، الخطوط ، والرفاهية الزائدة ، مثلما تفعل النباتات الصحراوية عندما تتجرد من أوراقها عند مجيئ القيظ أو الجدب ، عز الدين هنا لا يسجل الأشياء كما تبدو وإنما كما هي في حقيقتها السرمدية ، إنه ينقب عن روح الشكل ، يبحث عن التجريد الحي الذي يحمل روح الصحراء .

والباحث عن تمثيل الإنسان في أعمال عز الدين نجيب يجد أنه يأخذ حجمه الحقيقي بين الأشياء في رواية الصحراء .

– فالإنسان في الصحراء يحتل حيز صغير وسط بحر الرمال ..

– الإنسان في الصحراء شبح في الظلمة أو في الضباب ..

– الإنسان في الصحراء خيال حلم رؤى كخطف البروق ..

– الإنسان في ضوء الصحراء ظل على الحائط أو على الأرض ..

– المرأه في الصحراء هي سر الحياة ، ودائماً تتصدر المشهد .. ، طويلة لها قد مارد تلتحف دائماً بدثار من القماش ممتلئ بالهواء ، وتضمه بيدها إلى صدرها ، وتنحني قليلاً للأمام وهي تلج في الخفاء لتقاوم الرياح والأيام .

في نهاية الأمر علينا الاعتراف .. أن الصحراء وواحاتها التي يحملها عز الدين نجيب في داخله أعادت صياغة رؤيته الفنية مرة بعد أخرى ، حتى اكتسب هذه الروح التي لفحته بالإنسانية والحكمة الصوفية .

د . رضا شحاتة أبوالمجد.


الرسالة السابعة : البيت أو الكون الصغير عند عز الدين نجيب .

 

البيت في الصحراء كائن حي برزخي يتنفس أحياناً ، ينمو البيت كالشجرة ، ويتمدد فيناً ، وأحياناً أخرى تترك جدران البيت تتفتح للخارج كزهرة تأخذ مداها في المكان

فعبر كل إنسان فينا ينفتح مكان ما فريد على العالم ، والمكان الأليف عند الفنان عز الدين نجيب هو تلك البيوت القديمة في إندثارها ، إنة الذكرى ، عطر الأحباب الذي يعطي الإحساس برائحة الحياة .

البيت عند عز الدين نجيب ليس منظراً طبيعياً ، وهو أكثر من الأركان والحوائط ،إنه المعادل للحالة النفسية للإنسان ، إن الكون الصغير الأول ، الوجود الحقيقي للذات حيث تتجسد فيه الحدود والمساحات التي تمنح الحماية لنا ، بل تتجسد فيه روح المغامرة الإنسانية ، هو المكان الذي مارسنا فيه أحلام اليقظة وتشكل فيه خيالنا ، إنه رمز المقاومة والتحدى ضد الفناء فهو الوطن الصغير الذاخر بالعاطفة والمشاعر.

إن البيت أو المكان الحميم هو واحد من أهم التيمات التعبيرية التي تتيح لنا أن ندمج الأفكار والذكريات والأحلام الإنسانية داخل الحيز الفني للمكان .

نحن هنا أمام حالة ذوبان وامتزاج برزخى بين الإنسان والمكان ،بين الحجر والبشر فبيت يمتلك هذه الدينامية يتيح للمصور الفنان أن يسكن في الكون ، أو يفتح نفسه للكون ليسكن فيه . إننا هنا أمام منطقة في التعبير تنفتح فيها الذكريات وتندمج بالخيال والفانتازيا ، كل منها يعمق الآخر ويتعالق به ، إن حساً أو حلما غير واقعي ، يتسرب إلى الذكريات فينا ، فكل شيء يحيا ويتنفس من جديد

لقد ذهب عز الدين نجيب إلى الواحات إلى البيوت القديمة ليقف على المكان الحميم الذي ينجذب نحوه المعنى وتسكنه الذكريات ، مكان قد عاش فيه بشر ، إنه يبحث في المكان عن القيمة الإنسانية التي يمكن الإمساك بها ، إن زرع وجود البيت كمكان تتعالق به القيم الإنسانية هو مجرد إستعارة بلاغية للتعبير عن قيم لا يمكن أن تذكر في كلمات ، إنها نوع من الدهشة التي تنبه وعينا وتمنعه من الخدر إنها محاولة لتجديد الحس الإنسانى .

تأمل لوحات عز الدين واقرأ هذه العلامات البصرية ، هذا الوجود الرمزي ، والتمثيل المجازي الذي نصفة فى العبارات الآتية ..

– أنظر إلى الوجوه على الحوائط ، وفوق الأبواب وهي تنبثق شاحبة من تحت الطلاء كأنها أرواح ساكني البيت ، كأنها أطياف الحوريات التي تسكن الأبيار في الصحراء .

– أنظر إلى نهاية الطريق هناك ، يظهر من بعيد رسم خافت يشع من وسط الظلمة لرجل معمم كأنه شبح من أشباح الجان في رويات الصحراء .

– أنظر وتأمل في الطرقات والحوائط والدروب الطويلة ، تلحظ أشخاص ووجوه من الظل تنعكس عليها ، هذا الوجود الغامض يحدث نشوة روحية ، فتتفتح فنيا ًالخيالات ويلتبس المنطق ، فيصاب الناس بالدوار .

عز الدين نجيب هنا ينشأ لنا حالة إنسانية ، عالم من الرحمة موازى ، إنه هنا يبني بيوتاً جديدة ودروباً جديدة ، ومن ثم ينقل هذا الوجود الممتزج من البشر والحجر إلينا بطزاجته .

إنه يرمم الذات الإنسانية . فالبيوت الحميمة التي ضاعت منا في ضباب الزمن داخل غابات الأسمنت بالمدن ، سوف تنبثق مرة أخرى من جوف الظل والنور ، فالبيوت الحميمة التي فقدناها إلى الأبد تظل حية داخلنا ، تلح علينا لتعاود الحياة كذكريات كحنين للماضى داخل لوحات عز الدين نجيب كجنائن فردوس مفقود .

د . رضا شحاتة أبوالمجد . ..


الرسالة الثامنة : المكان ، الخيال ,الذاكرة في أعمال عز الدين نجيب .

 

المكان في الموروث الصحراوي مجرد حكاية ، الخيال جزء منها ، مما يجعله جديدا ًباستمرار ، متعدداً باستمرار ، مترع بالطاقة وبالحياة .. ويكمن في أجزائه الصوت الإلهي ، فكل شيء فيه قدر ومكتوب .

وعند استعادة تجربة مكان ما , يقول ” غاستون بشلار ” يقف الخيال في المنتصف بين الرائي والمرائي .. حيث يلغي موضوعية الظاهرة المكانية ، أي كونها ظاهرة هندسية ، ويضع مكانها ديناميته الخاصة ، فيتجول الخيال في متاهات الذاكراة ، يذوب العالم المرئي وتنتفي السببية ، ويلغي المنطق ونعيش بدون وعي .. الحلم المعكوس للمكان في ذواتنا بحثاً عن المعنى المتعالق الذي يبرز متوثباً ومفاجئاً على سطح النفس .

– والمتأمل لتجربة عز الدين نجيب مع المكان يجد أنه يمنحنا عيناً جديدة لنرى هذا العالم الخيالي للمكان على حافة الذاكرة . فهو يبني عالماً مكانياً مرغماً على وضع التخطيط الأولى له ، وما تلبث الروح لتأتي إليه أثناء الصياغة لتتفتح في الشكل وتقطنه وتستمتع به ، إنه ماضينا الذي يأتي ليسكن البيوت التي شيدها عز الدين .

– عز الدين يرسم البيوت والدروب وكأنها خرائط طوبوغرافية للنفس .. بوجودنا الحميم فيها كبشر ، إنها مجرد حكاية من حكايات الصحراء في داخله ، فهو يعرف علاقات الزوايا بالمنحنيات ، أين تمر الرياح ، أين ينعكس الضوء ويحتجب ، وأين ينكسر الظل . هذا الرجل توصل إلى معادلات مكانية لمعمار روحاني .

العناصر الفنية في الحيز الفني عند عز الدين تشكل علاقات مفتوحة لا متناهية في المكان .. فالخطوط المستقيمة والزوايا الحادة تختفي من الحيز العضوي الذي تنبثق الأفكار فيه من بنيته ، فالزوايا الحادة ترفضنا ، الزاوية الحادة باردة .. والخط المنحني دافئ . إن جلال الخط المنحني هنا ليس في مجرد حركته البسيطة ذات الإنثناءات العضوية ، ولا مجرد زمن ينساب يصنع إيقاع ، الخط المنحنى هنا يمتلك قوة المعيشة ، إنه يحرضنا على الإمتلاك ، هو ركن يتحرك ليولد مساحات مسكونة بالحياة ، إنه التعاطف .. دعوة للبقاء فيه ، فلا نبعد عنه إلا ونشتاق للعودة إليه .

– في لوحات عز الدين نجيب تبنى جدراناً وبيوتاً ودروباً من الظلال والخطوط التي تولد مساحات ، وهو يطالبنا أن نتجول فيها بكل الأمان الذي يمنحنا إياه المكان ، .. هو يطالبنا بالعيش تجربة البيت والزمن بكل تجلياتها لبزوغ حالة الحلم والخيال التي فقدناها .

– المكان عند عز الدين نجيب مكان للراحة .. جنة يعيش فيها إنسان العصر .. إنسان المدينة كعلاج من الخوف ، وبديلا ًعن الصناديق الهندسية التي تؤينا .

البيت هنا يقف متفرداً وكان العالم كله قد اختفى من حوله فجأة ، هو البديل للبيت ” الكوزوموبوليتاني ” في المدينة التي تسيطر عليها الخطوط الهندسية ، والذي يقاوم التشبيهات التي تجعل منه جسداً وروحاً إنسانيين . إذاً فليس غريباً أن نتأمل في لوحات عز الدين نجيب الجدران المتآكلة ، والملامس التي رسمها الزمان على المكان كما لو أننا أمام خرائط قديمة للكون . إن عز الدين لا يرسم منظراً طبيعياً ، بل يسجل وجهة نظر وموقف تجاه الحياة والوجود

د .. رضا شحاتة أبو المجد .. 


الرسالة التاسعة : التشكيل بالنور في أعمال عز الدين نجيب .

تضج الصحراء بالضوء ومع ذلك فالأشياء فيها لا تلتمع ، لا تعكس الضوء الظاهر، فسلطة النور كمعنى تتجه للداخل ، إلى الخفاء تحت السطح في الحد الآخر من النفس الذي يتلامس مع السر مع كينونة الأشياء ، حيث تستمد الأماكن وهجها وغموضها وجلالها من نور الباطن ، نور الأبدية الساكن في الأعماق .

في الواحة .. الحوائط بلون ضوء غروب الشمس الوردي .

في الواحة .. ضوء أخضر كثيف ومتموج من النخيل يبزغ من بعيد

في الواحة .. تلمع مرايا كثيرة من الفضة في مياه النبع.

في الواحة .. يطفو من الظلمة الجبال والتلال البعيدة في ضوء القمر .

في الصحراء .. إلتماعات السراب الزرقاء ، الضوء والرمل الأبيض .

فى الصحراء الشمس ساطعة الضوء , شديدة فى أغلب الأوقات .. فى الصحراء لا توجد غيوم تشتت الضوء أو تخفض من درجتة فى ظل هذا المناخ تنبثق جمالية التباين الشديد بين الضوء الرئيسى الساقط على الأشكال وبين الضوء الثانوى الذى يسكن الظلال فى زقاق الصحراء .

وهذا التباين فى درجة الضوء يساعد على حزف الكثير من التفاصيل والتأكيد على الكثير من الأجزاء , وبين هذا الجدل من الاختفاء والبروز تسكن روحية العمل الفنى عند “عزالدين نجيب” .

النور في الصحراء طاقة تتفجر في أعماق النفس الإنسانية فهو يمتزج وينصهر في أعماق اللاشعور ، ومهما ابتعد الإنسان في المكان والزمان ، هناك نوعاً من التواصل السري مع ضوء الصحراء ، معنى ذلك .. أينما ذهب عز الدين نجيب فهو مسكون بضوء داخلي يلازمه وهو قريب منه ، وفي هذا الصدد يقول ” أدونيس ” : الضوء الأكثر بعداً

أقرب إلينا من الظلام الأكثر قرباً .

المسافة غالباً خرافة .

الضوء هو جسر الرؤية الذى يسقط على الأشياء ويسكن فى العين والوجدان . إن تعامل عزالدين مع ضوء الصحراء هو تعامل مستقل متحرر من قيد الزمن الطبيعى متجاوزاً المكان فى العالم المادى . وأصبح توزيع الضوء والظل فى تكويناتة يندرج تحت مايسمى بالخصائص الزمنية الإيقاعية المستقلة للضوء , وهذا الاستقلال هو الذى يدخل الحيز الفنى التخوم المشتركة بين المرئى واللامرئى , تلك الحالة الروحية دائمة الدلالة والغارقة فى فعل المعنى المتجدد والمفتوح .

“عز الدين نجيب” هو رجل منتج للأضواء ، فالمكان فى لوحاتة ، ما هو إلا طبقات ضوئية متكسرة لتجسيد غزو النور للمكان ، إنها عملية أسر للضوء على سطح اللوحة حيث تتحول بنية المكان إلى مناخ ضوئي ينبجس من كل جزء فيها حتى في الأماكن المظلمة .

وهو بتلك الإستعارات الضوئية يكشف عن الجدل بين النور والظلمة داخل بنية العمل الفنى وهذا الجدل فى الميراث الإنسانى يصفة أدونيس على غرار القصائد اليابانية القصيرة ” الهايكو ” فيقول :

– الظلام طاغية يحاصر المكان .

– والضوء فارس يحرره .

وفي قصيدة أخرى يكتب أدونيس عن هذه الجدلية أيضاً فيقول :

الضوء لا يعمل إلا مستيقظاً .

الظلام لا يعمل إلا نائماً .

أن أهم ما يميز أسلوب “عزالدين” نجيب فى تناوله للضوء هو هذا المنهج الواضح الذى ينظم بناء حركة الضوء فى المكان الفنى , وهو ما يفكرنا بأسلوب “الكياروسكورو ” وهى طريقة فى التصوير تعنى تلازم الضوء والظل داخل اللوحة , فالمساحات المنيرة تولدها مساحات مظلمة والعكس صحيح .

إن البيوت فى أعمال “عزالدين نجيب” تستحم بالضوء فالسطح في اللوحة عنده تحول إلى جو أثيري شلال من النور ، ويلعب التضاد والجدل بين درجات الفاتح والقاتم ، الظل والنور ودرجاتهما المجدولة بتغير الإيقاع , دوراً في تفجير المعنى بالمكان .

إن عزالدين نجيب يستغل التباين فى الإضاءة بين الأجزاء داخل الحيز الفنى ليوحى لنا بنوع من الدراما التى يحتويها المكان متبعاً إستراتيجية تغيير سقوط الضوء على المكان ومن ثم تتغير مساحة كل من الضوء والظل بالزيادة والنقصان .

ويمكن قراءة العديد من الرؤى والجمل الضوئية التى يبثها عزالدين نجيب داخل الحيز الفنى وبخاصة اللوحات التى أنجزها فى معرضة” همس الحيطان ” عام 2005 والتى تختلف تبعا لتنوع فعل المعنى واختلاف شخصية المكان وهى تأثيرات ضوئية تمثل مفاتيح للدخول إلى اللوحة وقراءتها ويمكن إيجاز هذه الرؤى فى المشاهد التالية :

مشهد ضوئى (1) : يضع ” عز الدين ” الضوء الرئيسى القوى منبثقاً من العمق أو من منتصف التكوين , ثم يتدرج الضوء فى الانخفاض على الأجزاء نحو الخارج حتى أن المساحات الداكنة تشكل معظم الحواف الخارجية للتكوين .

مشهد ضوئى (2) : يصنع ” عزالدين ” نهرا من الضوء الخلفى للأشكال ومن شأن هذا الضوء أن يرسم هالة من النور تتناثر حول الأشياء وهو ما يؤسس حالة عاطفية غامضة للشكل .

مشهد ضوئى (3) : يضع ” عزالدين ” نجيب ضوء جانبى خلفى وهو ضوء يعمل على تحديد حواف المكان وهيئتة الطوبوغرافية ويترتب على هذة الزاوية فى إسقاط الضوء زيادة مساحات الظل للأشكال .. وأستغل ” عزالدين ” انعكاسات الظلال للحوائط بتحويرها لتوحى بوجود وجوه من الظل ملقاة على الأرض والجدران بدون أن نعرف مصدرها وهذا ما زرع الإحساس بالخوف والغموض فى النفس .

مشهد ضوئى (4) : يضع ” عزالدين ” ضوء جانبى على الأشكال وهو ما يزيد من مساحة الظلال ويزيد نسبة التجسيم حيث يضاء نصف الشكل ويترك نصفه الآخر فى الظلام ليتيح فرصة للذاكرة باستدراجنا للهروب فى المجهول الخفى .

مشهد ضوئى (5) : يستخدم ” عزالدين ” إسقاط الضوء العلوى الذى لا يصل إلا إلى الخطوط والمساحات الأفقية للمكان ويلاحظ هذا حينما يصور الدروب والزقاق المسقوفة والتى تتخللها فتحات علوية  لدخول الضوء وهو ما يجعل الأرضيات والمساحات الأفقية المنيرة فى بؤرة الاهتمام بسبب زيادة كمية الضوء الساقط عليها .

خلاصة الأمر .. حيثما يكون الضوء تكون مشاعرنا ، هنا ينبثق المعنى ، ويتحول الضوء إلى كلام ، إلى حضور عبر إشراق ظلمة المكان ، فكل ما يضيء يرى ، وكل ما هو مظلم خفي غير قابل للوجود .

في أعمال ” عز الدين” نجيب الضوء والنور الملون هما من عناصر التشكيل ، حيث يتحول الحيز إلى أبعاد ضوئية وفيض متدفق من إيقاعات النور المختزنة التي تعطى البعد الروحي للمكان . فالمتأمل للجدران والدروب والبيوت في لوحاته يجد أنها تختزن الضوء والتوهج ، فالإضاءات التي تشع من تحت طبقات اللون ، هي إضاءات داخلية ملونة تحرر الروح المشبوبة من منطق الضوء الطبيعي .

فالجرس الروحي للضوء الملون حينما يندمج بالأشكال يولد مناخاً روحياً للمكان .

– نحن هنا أمام منطق جديد لتوزيع الضوء بعيداً عن الخصائص الإيقاعية لقوانين الضوء الطبيعي ، إنه الإنسان منتج نوره الذاتي ، النور الباطن القادم من الأعماق .

د .. رضاشحاتة أبوالمجد . ..


الرسالة العاشرة : الصمت وأصداء المكان في أعماق عز الدين نجيب .

الصمت سكون مستعار ، الصحراء تقول كلمتها دائماً بلسان السكون الذي يقول كل شيء ، دون أن ينطق بأي شيء ، فالصحراء هي التي علمت الإنسان أن ما يقال مباشرة هو البهتان ، وما لا يقال هو القول اليقين .

الصحراء هي معزوفة لحن السكون .. من ينصت إليها يسمع صدى الزمان .

وللصمت بلاغته .. فهناك الصمت التأملي للمكان ، صمت المقهور ، الصمت الاخرس الفارغ من المعنى ، الصمت الحكيم وصمت الصحراء ، أو صمت الليل . وللصمت غايات ، كما فعل رجب بطل رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف في صمته أمام المحققين ورفضه الإعتراف ، أو كما صمتت شهر زاد عن الكلام المباح في ألف ليلة وليلة ، وهو صمت مرادف للحياة ، عندما تشرق الصباح .. الصمت هنا يتحول إلى رموز ودلالات .

لماذا نهتم بالصمت في لوحات عز الدين نجيب .؟

إن الصمت في لوحات عز الدين نجيب في حقيقة الأمر ليس صمتاً أجوف ، بل صوت مترع فياض بالمعنى . فهذه اللوحات تختزن صوتاً داخلياً لا ينضب ، يتفجر فينا عند القراءة لها ، ويتسلل إلينا دون إستئذان .

تختبئ الأصوات عند عز الدين نجيب في صمت المكان في الحارات الفارغة في البيوت الحزينة التي تفصح عن نفسها من خلال تفجر الصوت الداخلي فينا ، هذا الصوت يوقظ في أعماقنا الذكريات المرئية ، إنها حالة فريدة عكسية يبنى فيها جسراً للإنتقال من العالم اللا مرئي إلى العالم المرئي ، إنها حالة الشاعرية التي ترتفع ببراءة داخلنا لتطلق الخيال والمعنى فينا ، فمن خلال توهج المكان بالذكريات وتعالق الأصوات بالأشكال ، يتردد الماضي البعيد بالأصداء ، وينتظر الصمت هنا من يترجمه ، إنها حالة آلة “الفونغراف” الذي ينقل إلينا أصوات غير مرئية ، ويمنحنا طاقة خفية للوجود وللمعنى .

وعندما نتحدث عن الصوت داخل الحيز الفني ، لابد وأن نستحضر هنا مقولة مشهورة موازية لنا في موسيقى الشعر ، هي حالة الرنيين ورجع الصدى .

وتلعب حاسة السمع وحدود الذاكرة دوراً هاماً هنا في إيقاظ أعماق جديدة من المعنى فى النفس . فنحن عادة نجد السعادة في الذكريات البعيدة وفي صوت الأشياء القديمة بداخلنا .. انها الذات المفعمة باللوعة والصبابة والشجن لكل ما هو عتيق .

س . هل نستطيع أن نسمع صدى الأصوات في صمت المكان عند عز الدين نجيب ؟ .

إذا توقفنا عند المكان الفني في لوحات عزالدين نجيب . نجد أنه كيان برزخي ، مزيج من الهندسي والعضوي مصنوع من الأصداء التي لا تنضب ، فالفراغ والصمت في الدروب والبيوت القديمة يتيح لهذه الأشكال أن تتزمن بالصوت والصدى الذي يهدر داخلنا وداخلها ، إننا نسمعه كلنا عندما ننظر إلى المكان ونتذكر تلك التيمات الصوتية الماضية للمكان ، هذا الشيء الهش السريع الزوال المعروف بمفارقته للمكان .على عكس المكان المعاش المناظر في المدينة الذي يقارع كل صدى ببعثرته وسط الضجيج .

إن هذا الصوت عندما يمتزج بالمكان ، بالدروب ، بالبيت العتيق ، تتولد بنية جديدة أخرى مأنسنة قادرة على خلق شعور باللا تناهي والتجاوز للمعاني المحدودة ، ويجعلنا نشعر بالتوسع والتعمق في التخيل للمعاني .

لتحديد المعنى في الحيز الفني عند عز الدين نجيب ، علينا أن نعيش ترجيعات الصدى وذبذباته في المكان ، وهو ما يعادل الصورة المتخيلة الممنوحة لنا من خلال فعل القراءة للحيز ، والتي تصبح ملكنا وتتفتح في داخلنا ، ونشعر بأن المعنى المتولد وأصدائه هو ذكرياتي كينونتي ، كان بإمكاني أن أوجده بالفعل لا شخص آخر يمنحه لي فالمعنى . هنا لا يعطي سلفاً ، المعنى يتشكل بالتفاعل مع المكان ، بالمجاهدة عبر لعبة حوارية ، بين الشكل والمتلقى .

د. رضا شحاتة أبوالمجد  ..


الخاتمة ..

أخيرا .. الرسائل توقفت ، والرحلة داخل ..المريد ..عزالدين نجيب . لم تكتمل ، وشزرات الخواطر التى طرحت لاتعنى فى مجملها هذا الإنسان المجذوب للفن الذى نعرفة ، فهو أعمق وأكبر من هذا .

وفى النهاية يبقى السؤال مطروحاً ..

من هو عز الدين نجيب .. ؟

والجواب لاجواب نهائى ..

ويمرالزمن كالنهر .. وتنهمر السنون كالمطر .. وصار كل فى طريق ، وأنا أراقب هذا المريد من بعيد .. وفى يوم ما , اقتربنا .. لم يقل شيئا وأوغل فى الزحام ، ومضى فى رفقة شيخ كبير يلبس طربوش أحمر .

مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »