يوم الوفاء للمبدعين

 

عز الدين نجيب

فيس بوك 4 سبتمبر 2022

 

الذاكرة التشكيلية المصرية عميقة ممتدة مثل نهر النيل ، تتدفق مثله محملة بالطمى الخصيب ، آتية من منابع سحيقة منذ عصور مصر القديمة ، وترتبط بجينات إبداعية متوارثة لدى أطفال كل المصريين ، لا يتوقف توالدها جيلا بعد جيل ويوما بعد يوم ، لكن نسبة منها قليلة للغاية هى التى تجد الرعاية والتشجيع فى سن الطفولة والمراهقة ، فتٌواصل تدريب مواهبها بالدراسة والصقل ، ويسفر الكثير منها عن عبقريات فذة ، قد لا نعرف منها إلا ما يساوى قمة جبل الجليد العائم الذى يختفى أغلبه تحت سطح البحر ، فى ظل غياب متاحف كافية تضم هذا التراث ، باستثناء متحف وحيد للفن المصرى الحديث بالقاهرة ، لا تعرض فيه إلا نسبة لا تزيد عن ١٠% من مقتنياته على امتداد قرن كامل ، والأهم : فى ظل عدم وجود جهة تقوم بتوثيق ما خفى من معلومات داخل هذه الذاكرة وحمايتها من الضياع والنسيان ، رغم أن لدينا ما يسمى “بنك المعلومات” بقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة ، أنشأه الفنان د. أحمد نوار فى التسعينيات وقت رئاسته للقطاع ، هو المنوط به القيام بهذه المهمة ، إلا أن رأسمال هذا البنك من المعلومات والوثائق للأعمال الفنية يقوم على ما سميته رأس جبل الجليد ، وألتمس العذر للقائمين عليه لندرة ما لديه من الإمكانات المتاحة وليس من الموظفين غير المؤهلين لهذه المهمة من دراسات بحثية متخصصة وخطط منهجية بناء على خريطة قومية مقسمة جغرافيا وجيليا ، وبناء كذلك على لجان استقصاء وتحليل بيانات ووثائق من شتى المصادر والمراجع النقدية والتاريخية حول ما لدى الأشخاص والعائلات من مقتنيات فنية لأعمال الفنانين الراحلين ، فضلا عن غياب أى مشروع قومى لإصدار سِيَر ذاتيةوأعمال الفنانين ممن تُسفر الأبحاث عن إنقاذ ذكراهم من النسيان ، باستثناء سلسلة “ذاكرة الفنون” التى تتولى إصدارها الهيئة العامة للكتاب ، وقد صدر منها قرابة ٥٠ كتابا على مدى ٧ سنوات ، وانتهت حاليا إلى حالة من الموت السريرى : لا حية ولا ميتة !
تداعت هذه الخواطر فى نفسى عنما كنت أحضر بالأمس افتتاح معرض “مبدعون خالدون” فى دورته الرابعة بجميع قاعات مؤسسة “ضى” للفنون بحى المهندسين واليوم بحى الزمالك ، وفاض قلبى بالسعادة وأنا أتجول بين حوالى ١٠٠٠ عمل فنى لمائة فنان مصرى ، شحبت ذكراهم أو غابت برحيلهم على امتداد العقود الماضية ، من شتى الأجيال والاتجاهات والمدارس الفنية ، بعضهم تكشف ذكراه عن مأساة لمصير تراثه ، إن لم يكن لمصير حياته ذاتها ، وقد تسمع او لم تسمع الأجيال الجديدة عنهم أصداء غامضة مختلطة ، حيث لم تتح لهم فرصة مشاهدتها من قبل ، وسعيد الحظ من هؤلاء الفنانين الراحلين من وجد من يرعى تراثه وسيرته أو يقيم لأعماله موقعا ألكترونيا.
مائة فنان يمكنهم تحريك جبال الصمت والتجاهل والنسيان فى حياتنا الثقافية ، وقد تغبطنا عليهم – بمعيار الحضارة والإبداع – بلاد تغدق الأموال والاهتمام والرعاية على فنانيها وتفخر بوجود تراثهم على أرضها ، وعم نابعون من أرضها وهبوا حياتهم للفن ، ألف عمل تقارب عدد كل ما يعرض من أعمال فنية بمتحف الفن المصرى الحديث الذى يكدس بالمخازن ٩٠% من كل مقتنياته ، ويبلغ مستوى الكثير منها أعمال الفن العالمى الحديث بكل من الغرب والشرق ، وأعتبر شخصيا أن واحدا منهم الذى اختير ضيف الشرف المكرم ، وهو ممدوح عمار ، ويعرض له وحده ٨٠ لوحة ، أعيبره أحد الفنانين العالميين ، وأستطيع أن أضم إليه أسماء كثرة أخرى من بين العارضين المائة فى نفس المستوى ، وعدد غير قليل من أعمالهم يعرض اليوم لأول مرة ، فلم يرها من قبل أغلب محبى الفن أو المشتغلين به .
كانت سعادتى تبلغ الذروة وأنا أشاهد الفرحة على وجوه أبناء الفنانين الراحلين وأحفادهم وزوجاتهم وكأنهم فى يوم عيد ، وهو بالفعل عيد حقيقى لميلاد آبائهم من جديد ، بخلت عليهم الدولة بالتكريم وإلقاء الضوء على إبداعهم ، وأيقنوا اليوم بأنهم خالدون بحق ، ليس لاحتفاء مؤسسة “ضى” بهم فحسب ، بل كذلك لأنهم رأوا الانبهار فى عيون الزائرين بأعمالهم ، وشعروا لأول مرة بأن هناك يدا حانية تُربٌِت عليهم بعد طول نسيان أو جحود ، وربما كانوا يتمنون أن تكون هذه اليد هى يد الدولة المنوط بها ذلك ، لكن الحب الذى كان يطل من عينى هشام قنديل رئيس “ضى” وهو يحتويهم ( وكان قد سبق له اقتناء نسبه غير قليلة من أعمالهم) كان يرطب مشاعرهم بلمسة حنان بطعم الوطن وهو يحتضن الجمال وينشر شذاه بين محبيه ، فهى لمسة بشكل معنوى تأتى نيابة عن الوطن لكنها ليست بديلا عن يد الدولة ، ومع ذلك ؛ ففى إحياء ذاكرة الفن ، وفى الوفاء للمبدعين..فليتنافس المتنافسون.
مقالات اخري

دييغو ريفيرا (1886 – 1957)

   هذا الفنان بتكوينه الجسدى الكاريكاتيرى والمثير للسخرية..كان ساحر قلب حبيبته الفنانة الرقيقة فريدا كالهو التى لم يخلص لها قط رغم زواجه بها مرتين من

اقرأ المزيد »

يقولون إن العالم يحتاج إلى ثورة تقودها إمرأة.. جيد..لنحاول إذًا في ثورة صغيرة تمزيق الشر ونثره على الطرقات يتسول الخير من أربابه لعله ينجو.. لننثر

اقرأ المزيد »